اخبار عاجلةثقافة و فنون

ما المعرفة؟

المعرفة والعرفان، هي إدراك الشيء على ما هو عليه بتفكر وتدبر، وهي مسبوقة بجهل بخلاف العلم، وهي أخص من العلم، يقال فلان يعرف الله، ولا يقال يعلم الله، ويضاد المعرفة الإنكار، ويضاد العلم الجهل، والعارف هو المختص بإدراك الشيء ولذلك يسمى الحق تعالى بالعالم دون العارف. وهي المعنى الذي يقتضي سكون نفس المعتقد إلى ما اعتقده، وقيل: هي اعتقاد الشيء على ما هو به اعتقادا صادقا مسوغا ومبررا، والمعرفة تقال أيضا للإدراك المسبوق بالعدم، ولثاني الإدراكين إذا تخللهما عدم، ولإدراك الجزئي، ولإدراك البسيط كما في العلم، وتقال لحصول صورة الشيء عند العقل، وللاعتقاد الجازم المطابق الثابت ولإدراكه الكلي ولإدراك المركب، وقد تقال أيضا فيما يدرك آثاره وإن لم تدرك ذاته بخلاف العلم الذي لا يقال إلا فيما تدرك ذاته. والمعرفة تقال فيما لا يعرف إلا كونه موجودا فقط والعلم أصله أن يقال فيما يعرف وجوده وجنسه وكيفيته. والمعرفة يقال فيما يتوصل إليه بتفكر وتدبر، والعلم قد يقال في ذلك وفي غيره . وإذا كان تعريف المعرفة بهذا التنوع والتعدد والاختلاف، فإن الأمر يدفعنا إلى طرح مجموعة من التساؤلات من قبيل:
من أين تأتت المعرفة للإنسان؟ وما مصادرها؟ وما أنواعها؟
وكيف استطاع الإنسان أن يطور نفسه؟ أكان ذلك اعتمادا على نفسه أم هناك جهة ما ساعدته على ذلك؟ وهل هناك حقائق معرفية ثابتة ومطلقة؟ وإذا كانت موجودة فهل بمقدور الإنسان الوصول إليها؟
والحديث عن مصادر المعرفة وأصولها اختلفت فيه الآراء وتباينت فيه المواقف، وتعددت فيه الاتجاهات، ومن زعم أن هناك مصدرا وحيدا للمعرفة فقد أبعد النجعة، ومن زعم أن المعرفة نوع واحد فقد جانب الصواب، فمن المعرفة، المعرفة القَضَوية وهي “معرفة أن” والمعرفة الغير القضوية وهي “معرفة كيف”، كما أن من المعرفة ما يعرف بالإدراك المباشر بلا واسطة كاللون والشكل والصلابة والرائحة، ومنها ما يعرف بالوصف كمعرفة الكرسي أنه شكل مادي مصنوع من خشب على هيئة معينة، وهناك أيضا المعرفة القبلية ونقيضها المعرفة البعدية التي لا تدرك إلا بالتجربة وهكذا

وبالرجوع إلى تاريخ المعرفة يتضح أنها أيضا عرفت تعددا وتباينا في المواقف، فمن أرجعها إلى الحواس واعتبرها المصدر الأول للمعرفة، وكل فكرة عندهم ليس لها انطباع حسي فهي وهم لا حقيقة لها، ويمثل هذا التيار الفلاسفة الأبيقوريين والرواقيين .

ومنهم من أرجعها إلى العقل رافضا شهادة الحواس ومشككا فيها، وعلى رأسهم أفلاطون وأرسطو.

ومنهم من جعل أصل المعرفة الحدس فنفى دور العقل والحواس وجعل الطريق الوحيد لتلقي المعرفة هو الحدس. أو البصيرة أو القلب أو العيان المباشر، وهي معرفة لا تحتاج إلى دليل أو برهان، ويمثله التيار الإشراقي الصوفي.

ومنهم من أرجعها إلى النص المقدس وحده باعتباره المصدر الوحيد القادر على إنتاج المعرفة وما العقل عندهم إلا مبرر للإيمان، فالإيمان يسبق العقل، والعقل ضروري للإيمان حتى لا يكون هذا الإيمان ساذجا لأن العقل وحده لا يمكنه الاستقلال بمعرفة الحقيقة وهذا التيار يمثله الاتجاه الكنسي المسيحي.

أما الرؤية الإسلامية فهي رؤية متميزة عن هذه الرؤى الأحادية حيث تتميز بالشمول والتكامل لا تغلب جانبا على حساب جانب، وبالتالي فمصادر المعرفة عند المسلمين تتميز بالتعدد والتنوع، فنجد النقل والمقصود به الوحي سواء كان قرآنا أم سنة، ونجد العقل، والإلهام، والحس، والتجربة، فالإنسان معلوماته تأتيه عن طريق هذه الوسائل المتنوعة، ولا يمكن حصر المعرفة في مصدر واحد وترك باقي المصادر، إذ كل حقيقة تستدعي نوعا من المعرفة بحسب تعدد الحقائق، فالحقيقة الرياضية المنطقية تستدعي العقل، والحقيقة العلمية تستدعي الحس والتجربة، والحقيقة الغيبية تستدعي الوحي، وبين كل الحقائق والمصادر ترابط وتكامل، وللوصول إلى الحقيقة يجب أن يُستخدم كل مصدر في مجاله، ومن غلّب مصدرا من هذه المصادر أو غيّبه أو غلب فيه جانبا عن جانب، أو تجاهله، فإنه لا محالة سيجانب الصواب، وتضيع عنه الحقيقة.

ويعد كتاب جون لوك “مقالة في العقل البشري” أول كتاب في العصر الحديث أسس لبداية الفكر في مشكلة المعرفة بشكل مستقل[1]، وإلا فمباحث المعرفة قد ضمنها العلماء المسلمون

كتبهم، وبحثوا فيها وأجادوا في مباحث متفرقة من مصنفاتهم، فنجد على سبيل المثال القاضي عبد الجبار المعتزلي في كتابه “المغني” أفرد مباحث للنظر والمعارف، كما نجد الإمام عبد القاهر البغدادي في مصنفه “أصول الدين” تحدث عن المعرفة وأصولها، والإمام الإيجي في مؤلفه ” المواقف”، والإمام ابن تيمية في كتابه ” درأ تعارض العقل والنقل”، وسعد الدين التفتازاني في مصنفه ” شرح المقاصد في علم الكلام”، والكندي، والفارابي، وابن رشد الذي حاول التوفيق بين الدين والفلسفة في كتابه الرائق ” فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال”، وغيرهم كثير، كلهم يناقشون مسألة العلاقة بين العقل والنقل/الوحي، الأمر الذي يدل على أن العلماء المسلمين كان لهم قصب السبق في البحث عن مصادر وأصول المعرفة.

أما فيما يتعلق بسؤال كيف استطاع الإنسان أن يطور نفسه؟ أكان ذلك اعتمادا على نفسه أم هناك جهة ما ساعدته على ذلك؟ فالجواب عن هذا السؤال يقتضي الجواب عن سؤال هل الإنسان يستطيع إدراك الحقائق مستقلا؟ وإلى أي حد يمكن أن يطمئن لهذا الإدراك؟

والجواب عن هذا السؤال ليس ضربة لازب، وإنما له جذور، فالفكر القديم لم يكن مهتما بالبحث إلا بما هو طبيعي ماهية الكون وأصله، ثم انتقل بعد ذلك إلى البحث في الانسان وماهيته على يد السوفسطائيين الذين كانوا يتفاخرون بمقدرتهم على تأييد الرأي ونقيضه، الأمر الذي أدى إلى انتشار نزعة الشك بين الناس فأصبحت مسألة إمكان المعرفة أول مسألة تبحث في نظرية المعرفة، وانقسم الناس حول إمكانية الوصول للمعرفة إلى اتجاهين: اتجاه ينفي قدرة الإنسان لوحده على إدراك الحقائق وهم المشككون، والعندية القائلون بأن حقائق الأشياء تابعة للاعتقادات[1]، والعنادية الذين ينكرون حقائق الأشياء ويزعمون أنها أوهام وخيالات كالنقوش على الماء[2]، واللاأدرية وهم الذين ينكرون العلم بثبوت شيء ولا ثبوته ويزعمون أنه شاك وشاك في أنه شاك وهلم جرا ويتوقفون في وجود كلّ شيء وعلمه[3]، فطعنوا في الحواس وقالوا إنها تخطئ، وأن الناس متفاوتون في إحساساتهم، وأن الناس قد

تعتريهم أوهام وخيالات يظنون أنها الحقيقة، وطعنوا في العقل لامتناع البرهان وامتناع البرهنة، وأنكروا الغيبيات، والواقع الخارجي للأشياء، وأنكروا السببية

واتجاه يثبت أن الإنسان قادر على الوصول إلى المعرفة إما بالحاسة، أو العقل، أو الحدس، أو الوحي. وهذا هو الحق الذي لا ريب فيه إذ أن إنكار الحقائق مخالف للفطرة البشرية خاصة وأن هناك حقائق بدهية لا يحتاج فيها إلى كثبير نظر لإدراكها، كما أن إمكان الوصول إلى المعرفة أمر بدهي لا ينكره إلا من أشرب قلبه الجدال وكان من أهل الإنكار، وفي هذا الصدد يقول ابن تيمية:”من أنكر العلوم الحسية والضرورية لم يناظر، بل إذا كان جاحدا معاندا عوقب حتى يعترف بالحق”[1].

ومن هنا يمكن القول إن الانسان في علاقته بإدراك المعرفة، فهو إما أن يدركها استقلالا إذا كانت من قبيل الأوليات والبديهيات لأنها تدرك بأول توجه العقل لأنه يجزم بها بمجرد تصور طرفيها كالقول بأن الواحد نصف الاثنين، أو من قبيل الحسيات التي يجزم العقل بواسطة الحس كالقول بأن الشمس محرقة، أو من قبيل التجريبيات التي يجزم العقل بحقيقتها بواسطة التجربة، أو من قبيل الحدسيات التي يجزم العقل بصدقها دون احتياجها إلى براهين لأنها بصائر كاشفة، وإما أن يدركها بواسطة إذا كانت خارج مجال إدراك العقل أو الحس أو الحدس، ونخص بالذكر الوحي بشتى أنواعه سواء كان كلاما مباشرا من الله تعالى، أو بواسطة الملك جبريل، أو بالإلهام، أو بالرؤيا الصالحة يقول تعالى:”  وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ  إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ”[2]، وعليه فطرق المعرفة متنوعة في نفسها، ومن حصرها فمن حصرها في طريق معين بغير دليل يوجب نفيا عاما لما سوى تلك الطريق لم يقبل منه فإن النافي عليه الدليل كما أن المثبت عليه الدليل.

د حسن العسري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق