اخبار عاجلةالوطنية

مغرب الأمل

د. عبد الجليل أبوالمجد

إن الناظر اليوم إلى حال المغاربة والسامع لكلامهم يصطدم بواقع الخوف والتيه والضياع ويشعر أنه وقع في بلاد لم يعد فيها ما يدعو إلى الأمل. والباحث عن الأمل فيه كالباحث عن إبرة في كومة قش. فهناك من يبكي على الماضي ورجاله وهناك من يلعن الحاضر وأصحابه. اختلت الموازين وضاعت كل القيم تقريبا، واختلط على الكثير من المغاربة الفرق بين الماضي والحاضر، الصواب والخطأ، الحق والواجب، الضار والنافع. ما العمل في وسط هذه السوداوية التي يحاول البعض غرسها؟ وهل هناك بصيص أمل وسط هذا الكم الهائل من اليأس والخوف؟ وهل هنالك أمل في إحداث تغيير حقيقي؟ ولماذا يشعر عموم المغاربة بعدم اليقين والاطمئنان التام تجاه مستقبل وطنهم؟ وأخيرا هل ثمة أمل في إعادة الأمل؟
قبل التطرق لموضوع تلاشي الأمل في المغرب يتعين تحديد مفهوم الأمل ومدى أهميته في بناء مجتمع متماسك ومتضامن يرنو إلى مستقبل مشرق بثقة وعزم وتفاؤل، بعيدا عن اليأس والاكتئاب.
في المعجم العربي “لسان العرب” جاء الأمل بمعنى الرجاء والتمني والتفاؤل، وجمع كلمة الأمل هي الآمال. أما في الاصطلاح فالأمل هو انشراح النفس في وقت الضيق والأزمات، بحيث يدفع المرء إلى العمل والابتكار وإنجاز ما فشل فيه من قبل، ومعاودة الكرة مرة بعد مرة حتى يتحقق الهدف المنشود.
وبكل اختصار، إن الأمل بالمفهوم المتداول هو إيمان راسخ لا يهتز، ليس مجرد عاطفة، تجعل الإنسان يؤمن بأن المستقبل أفضل من الحاضر، ومن دون ترسيخ الأمل في النفوس، وبغيابه يسيطر اليأس والتشاؤم والخوف، وتتراجع الهمة، وتضعف الروح المعنوية للأفراد والمجتمعات.
الأمل للأمة كالروح للجسد: فلولا الأمل لما تحققت كل الابتكارات والاختراعات التي غيرت وجه البشرية، وذلك لأن المخترع لم يتمكن غالبا من تحقيق اختراعه من أول مرة، فالمخترع الأمريكي توماس أديسون (1847-1931) بعدما أخطأ مئات المرات لم ييأس، بل استمر في محاولاته حتى نجح في صنع أول مصباح كهربائي.
وفي الأديان يعد الأمل ضرب من ضروب الإيمان. بل إن الأمل والإيمان صنوان. فالإيمان الديني -في صورتِه المجردة-يتأسس على الأمل في رحمة السماء. لذلك فإن القرآن الكريم يحمل تحذيرا من اليأس ويدعو إلى الأمل﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾(الشرح: 5، 6). وأيضا في الدين المسيحي، يحمل المتدين أملا يقينيا في الخلاص، وفى الحياة الأخرى، وفى المجيء الثاني للمسيح.

وأكدت العديد من الدراسات العلمية والطبية على أهمية الأمل بالنسبة للأفراد، بحيث إن الأشخاص المتمسكين بالتفاؤل والأمل تجاه المستقبل، قد ينعمون بصحة جيدة، حيث ينخفض لديهم خطر الإصابة بأمراض القلب أو الأوعية الدموية والوفاة المبكر.

والشعوب والأمم كالأفراد تحتاج إلى الأمل، فليس الفرد فقط هو من يعيش بالأمل، بل الشعوب أيضا، فالأمل هو عنصر حاسم في أي محاولة لإحداث أي تغيير إيجابي. فلا تغيير نحو الأفضل من دون أمل فسيح.
وعلى امتداد التاريخ، مرت شعوب كثيرة بدوائر مغلقة من المحن والأوبئة والمجاعات والحروب والكوارث لا حصر لها، لكنه سرعان ما تنهض من جديد، وتخلق أسباب الحياة بشعاع الأمل. وثمة مثل شائع يقول “الشدائد تصنع الرجال”.
ولقد صف المؤرخ ابن خلدون – في المقدمة – الطاعون الأسود الذي اجتاح العالم في منتصف القرن الرابع عشر ميلادي وكيف استعادت الشعوب والدول عافيتها ونهضت من جديد وكأن شيئا لم يكن. يقول ابن خلدون: ” نزل بالعمران شرقا وغربا في منتصف هذه المئة الثامنة… الطاعون الجارف الذي تحيف الأمم، وذهب بأهل الجيل…، وانتقص عمران الأرض بانتقاص البشر، فخربت الأمصار، ودرست السبل والمعالم، وخلت الديار والمنازل، وضعفت الدول والقبائل…؛ وكأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول والانقباض فبادر بالإجابة…، وكأنه خلق جديد ونشأة مستأنفة وعالم محدث!”.

وبعد هذا الوصف الدقيق للطاعون الجارف الذي ذكره ابن خلدون في مقدمته يتبين إن صراع الإنسان مع الأوبئة والمحن والحروب قد بدأ منذ فجر التاريخ، فهو صراع الوجود الذي تنتهي نتيجته الحتمية بانتصار الإنسان على المحن والكوارث، ومن دون ذلك الانتصار لا يمكن تفسير سبب استمرار بقاء الإنسان في الوقت الراهن.ا
وفي التاريخ الحديث، ثمة مثال رئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرشل (1874-1965)، الذي لم ييأس ًواستمر يقاوم حتى خرج من الحرب العالمية الثانية منتصرا بسبب ثقافة الأمل والتفاؤل الكائنة في النفوس والكامنة في الأوطان.
يستشف ما سبق أن الأمل المنشود مطلوب في كل الأزمات والحروب، مهما بلغت الازمات والحروب من شدة وقسوة. بحيث إذا امتلأ قلب الإنسان بالأمل والتفاؤل لا تمنعه الأزمات والحروب من الانشغال بالعمل والابتكار ورفع التحديات كيفما كانت. وبعبارة أخرى إن الحياة بلا أمل هي أقرب ما تكون إلى الجحيم.
وفي عصر بات العالم فيه قرية واحدة، يعيش المغرب حالة من التيهان لا يعرف الى أين سيقوده وفي أي مرفأ سترسو سفينته.
وأمام هذه الرياح التي تعصف بالمغرب، أضحى الحديث عن الأمل وهما لدى كثيرين. وثمة لازمة تتكرر في النقاشات العامة والخاصة حول هذا الواقع، مفادها أن الوضع ميؤوس منه وأن التغيير الإيجابي مستحيل.
إن الوعود والأوهام هي وراء معظم الصدمات التي يعاني منها الشعب المغربي. والتغيير كان دائما شكليا ولا يصب في الجوهر. فكلما جاءت حكومة جديدة مثلا لفظها الشعب باعتبارها خارج نطاق المطلوب واستمرارا للمسيرة السابقة وللنظام القديم وإلى العادات القديمة. وكلما جاءت حكومة لعنت ما قبلها باعتبارها المسؤولة عما يعانيه الشعب من مآسٍ. والحكومات المتعاقبة تملك نظريا السلطة ولكنها حكومات لا تملك من أمرها شيئا، الأمر الذي يفسر الكثير من التخبط والإحباط.
وفي ظل غياب نخب مستنيرة ومؤسسات جيدة تخدم المواطن، بلغ المغرب حدا من الجمود جعله يدور في حلقة مفرغة بدعوى الخصوصية وتحديات الانتقال الديمقراطي.
مع كل هذا، هناك دواعٍ للأمل يتعين أن نتعلق بها، وبالتالي لا نستسلم لما يرى البعض أنه قدر لا مفر منه، أي التيهان واليأس والخوف من المستقبل المجهول. فما أخطر ان يفقد الإنسان الأمل ويستسلم لليأس ويسلم بالأمر الواقع.
ومهما بدا الوضع مقلقا فمساحات الأمل لا تنتهي، فالمتغيرات أحيانا تقلب الوقائع رأسا على عقب، والشعوب الحية لا تنزوي لليأس والخوف وتتقاعس في العمل البناء، بل تعمل وتكافح بقوة للخروج من الأنفاق المظلمة إلى رحاب الأمل الفسيح.
أكثر ما يحتاج إليه المواطن المغربي في هذه المرحلة المصيرية الثقيلة التي يمتزج فيها الخوف بالأمل، هو الأمل في القدرة على مواجهة التحديات والانتصار عليها.
لا شك أن المغرب يواجه تحديات داخلية عميقة الجذور: اقتصاد ريعي، زواج المال بالسياسة واقتران الدين بالسياسة. وهذه الاشكاليات لا ولن تتم معالجتها بين عشية وضحاها. ولكن يمكن بداية الطريق بحل مسألة الديمقراطية واعتماد الحكم الرشيد في قيادة الدولة.
والإصلاح السياسي المنشود يبدأ بحل قضية المواطنة والدمقراطية، ولا يقصد بالمواطنة ما هو شائع عنها بأنها الانتماء والولاء للوطن فكلاهما نتاج للمواطنة. المواطنة المقصودة تعنى حركة الإنسان/ المواطن في حياته اليومية مشاركا مكافحا من أجل حماية الحقوق والالتزام بالواجبات. وبعبارة أخرى المطلوب مواطنة إيجابية، تتمثل في المشاركة في مختلف أوراش التنمية، وفي تحمل الأمانة بدل التملص من المسؤولية. والالتزام باحترام القانون، وعدم الخلط بين الحرية والتسيب. والتحلي بالإقدام والتضامن، بدل التواكل والانتهازية والأنانية، وتشجيع المواهب المبتكرة والمنتجة، عوض إشاعة الإحباط والتيئيس.
وهكذا يوجد المغرب في الوقت الراهن أمام مفترق طرق. وعليه أن يتخذ قرارا حاسما بين أمرين لا ثالث لهما، فإما هذا الطريق. وإما ذاك، إذ إن الدرب الذي سلكه طويلا قد انتهى أمره، وإن مرحلة مصيرية قد حلت وعليه أن يستعد لها. فإما أن يؤسس لنموذج ديمقراطي حقيقي تجنبه الأسوأ، أو أن المغرب سيجد نفسه مجددا داخل دوامة يصعب عليه الخروج منها. فليس عيبا أن يخطئ الإنسان، وإنما العيب أن يتمادى في الخطأ.
والمدخل لحل كل الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية يبدأ بمعالجة مشكلة الديمقراطية كوسيلة لتحقيق العدالة والرقي الاجتماعي للجميع وليست فقط عملية اقتراع أو صناديق الانتخاب. فبدون الوصول إلى صيغة للحياة الديمقراطية في المغرب تضمن للمواطنين حقوقهم الأساسية، وبدون الحد من اغتصاب القلة للمال والسلطة. فإن المغرب سيجد نفسه مجددا داخل دوامة. فزواج المال بالسياسة يخلق الفساد واقتران الدين بالسياسة يخلق الفوضى.
وللخروج من الوضع الحالي الملغوم، فإن الأمر يستلزم برنامجا ومشروعا سياسيا وفكريا شاملا ومتكاملا يستوعب كل مكونات المجتمع المتنوعة، من دون تهميش ولا إقصاء. كما يستلزم خريطة طريق يتوافق عليها الفرقاء السياسيون والاقتصاديون جميعا، بغض النظر عن خلفياتهم الإيديولوجية والسياسية. أيضا، يستلزم الأمر أيضا إرادة سياسية واعية وحس وطني صادق لدى نخب وقيادات جديدة صادقة تسهر على نشر مطر الأمل على الحقول المتصحرة باليأس. إنها مهمة صعبة لكنها ليست مستحيلة.
وأخيرا وليس آخر، الأمل والتفاؤل ركيزتان أساسيتان لتحقيق الأحلام المنشودة بوطن متقدم يواكب متغيرات العصر والدينامية الديمقراطية التي تخترق العالم.
وفي الختام اود ان أقول للمغاربة كفى من اليأس والخوف عيشوا بالأمل، وكونوا سعداء، فأنتم تستحقون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق