إسلامياتاخبار عاجلة

لتنوير والتنويريون الجدد بالمغرب

أبو المجد عبد الجليل

يعيش العالم العربي الإسلامي في الوقت الراهن، مرحلة فاصلة تتسم بالتفكك وبتغيير النسق المعرفي والحضاري، هذه الحالة تطرح فيها أسئلة كبيرة وعميقة حول الهوية والانتماء وعلاقة الدين بالمجتمع والدولة. فضلا عن قضايا التطرف ورفع سلاح التكفير.
وفي هذه الأجواء المتقلبة كثرت دعاوى التنوير والتجديد في العالم العربي والإسلامي وأصبح لها منابر ودعاة كثيرون رغم اختلاف البواعث والخطط والأهداف. فما هو التنوير ؟ وماهي العوامل التي ساهمت في إعادة ظهوره؟ وهل مازال هناك أمل في أن تنجب أمة “اقرأ” مشروعا تنويريا شاملا لمواجهة التحديات الراهنة والمستقبلية؟ وما التنوير المطلوب؟ .
قبل تحديد معنى التنوير كمصطلح ثقافي أو فلسفي في اللغة العربية الحديثة، يتعين تعريف التنوير في اللغة العربية. جاء في لسان العرب لابن منظور، أن التنوير هو وقت إسفار الصبح، يقال قد نوَّر الصبح تنويرا، والتنوير: الإنارة، والتنوير: الإسفار. ويقال: صلى الفجر في التنوير. وسميت الصوفية بالنورية و يطلقون كلمة النور على الله ، ويسمونه أيضا نور الأنوار، والنور المحيط والنور القيوم، والنور المقدس، والنور الأعظم الأعلى، ونور النهار. وبهذا المعنى جاء العنوان الموحي لكتاب الصوفي الشهير إبن عطاء االله الاسكندري، وهو (التنوير في إسقاط التدبير).
ومصطلح التنوير بمعناه الفكري والفلسفي الحديث، هو ترجمة للمصطلح الغربي الذي يذكر عادة تحت عنوان: حركة الأنوار أو فلسفة الأنوار أو عصر الأنوار أو فكر الأنوار: ” philosophie des lumières” بالفرنسية التي ظهرت كحركة فكرية في أوروبا الحديث في القرنين 18 و19 ، قام بها الفلاسفة والعلماء، الذين نادوا بقوة العقل وقدرته على فهم العالم وإدراك ناموسه وقوانين حركته، بالاعتماد على التجربة العلمية بدلا من الاعتماد على الخرافة والخيال.
ويعد الألماني إيمانويل كانط، أهم فيلسوف العصر الحديث أسهب في موضوع التنوير في مؤلفه الشهير (ما التنوير؟) وهو عبارة عن جواب عن سؤال كان مطروحا على مجمل النخبة الألمانية. وكان ملخص جوابه: “كن جريئا في إعمال عقلك”. وبمعنى آخر، التنوير في رأي كانط يعني تحرير الإنسان من وضعية دونية ذهنيا، وضع الإنسان نفسه فيها في شكل طوعي.
يتبين مما سبق أن مصطلح التنوير هو مصطلح أطلق في الغرب على مجموعة من المفاهيم التي ظهرت في القرن الثامن عشر على أيدي الفلاسفة والمفکرين الغربيين، ثم انتشر الفكر التنويري في أوروبا، بعدها امتد أثر هذا الفکر إلى العالمين العربي والإسلامي بأفکاره وعباراته.
و تجدر الإشارة هنا إلى أن فلسـفة التنويـر ومـا قدمتـه مـن نظريـات معرفيـة، لم تنتـج مبـاشرة مـن أوروبـا، بـل هـي استفادت مـن نتـاج أمم سـابقة من أهمهـا: مـا قدمـه العـرب والمسلمون مـن علـوم، ومكتشـفات سـاهمت في دفـع النهضـة الأوروبيـة، مثـل تراجـم ابـن رشـد وشروحه لأرسـطو، ثـم الإسـهامات التـي قد مهــا جمــع مــن العلــاء كالحســن بــن الهيثــم والخوارزمي وابن سينا وابن خلدون وابن طفيل وغريهـم، الذين شكلوا جميعا أحد مصادر الإلهام التنويري للعديد من الفلاسفة والمفكرين في الغرب. وهـذا أمر لا ينكره إلا جاحـد.
غير أن هذا الفكر التنويري الإسلامي القديم اصطدم بعوائق وعقول متحجرة منعته في الانطلاق والاشتغال في مساحات أكبر، ومنذ ذلك الحين والعالم العربي الإسلامي في ركود وانحطاط مكبل بأغلال التراث القديم لقرون طويلة حتى بزغ خطاب التنوير من جديد مع فجر النهضة العربية في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين بمرجعيات فكرية وأيديولوجية مختلفة،
وهكذا سعى جيل الطليعة الفكري، أمثال رواد النهضة رفاعة الطهطاوي، وبطرس البستاني، وأحمد فارس الشدياق وخير الدين التونسي والإصلاحيين كمحمد عبده والكواكبي وعبد الحميد ين باديس، والليبراليين العلمانيين كفرح أنطون وشبلي الشميل، وسلامة موسى، والمثقفين العقلانيين كطه حسين ومحمود أمين العالم وحسين مروى والطيب التيزيني ومحمد عابد الجابري وغيرهم . سعى هؤلاء إلى بت مضامين التنوير الجديدة، وأهدافه الكبرى في السمو بالعقل، وغربلة التراث، ونقد الفقه القديم، وإعادة طرح المسألة الدينية بشكل نقدي، والعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة، وتكريس قيم الحرية والعدل، وحقوق الإنسان، والدعوة إلى التعلم للتمكن من المعارف والعلوم أسوة بالغرب الذي قطع أشواطا في الرقي والتقدم.
هذه المهمة التنويرية التي اضطلع بها جيل الطليعة الفكري تكاد تختفي اليوم لاستنكاف المفكرين والعلماء والأكاديميين والمثقفين عن دورهم الطلائعي، أي وظيفة التنوير الحقيقي، وانخراط حركات الإسلام السياسي في الصراعات السياسية واستغلالها فشل الأيديولوجيات الوطنية والماركسية والليبرالية التي تسعى لبناء دولة الحق والقانون، وراحت تقدم خطابا للناس يعد بتحقيق قيم الدين في حالتها الصافية والنقية، الأمر الذي أدى إلى توقف الحوار بين العقل والدين.
ويعزو المفكر الراحل طيب تيزيني سبب إخفاق التنوير العربي إلى مسألتين: الأولى في القرن التاسع عشر مرحلة النهضة الأولى، في التوقيت التاريخي ما بين مرحلة النهضة وبين ظاهرة الاستعمار التي كانت تتسع وتتعاظم بحيث أصبح هناك تقاطب تاريخي نشأ بين هذا وذاك وفي النهاية انتصرت قوة الاستعمار التي طغت على فكر التنوير العربي الذي كان ناشئاً ولم تستطع النهضة أن تصمد في وجه هذه القوة الطاغية.
الثانية المرحلة التي نعيش الآن وبدايتها مع نشوء النفط أو ظهوره في السبعينيات من القرن المنصرم، فأسس لمجتمع استهلاكي مما أزال الطبقة الوسطى وهي التي تحاول أن تؤسس لمشاريع نهضوية تنويرية، ثم أتت الانقلابات العسكرية وكانت النتيجة أن تبلور نظام في بعض الدول نسميه الآن “النظام العسكري” التي وضع مشروعه وهو ابتلاع المجتمع برمته.
أما عن فشل التنوير عند المفكر الراحل محمد عابد الجابري فيلخصها في أننا “ما زلنا نعيش بقايا عصر الانحطاط الفكري”، ومعنى ذلك أن كل الجهود التي بذلها المفكرون العرب المعاصرون على اختلاف انتماءاتهم لم تتمكن من إزالة ما سماه المفكر الراحل ب”البقايا” وهي في حقيقة الأمر مجموعة من التراكمات المتخلفة عن أزمنة التخلف تحول بين العرب والتطور المنشود، وتمنعهم من تأسيس مشروعهم الحضاري الهادف إلى مواكبة العصر سياسيا واقتصاديا وثقافيا وصناعيا، وعلميا، وبما لا يتعارض مع القيم ولا يتصادم مع حقائق وتواثب الدين.
و تأسيسا على ما سبق، يستشف أن فشل مشروع التنويري العربي يعود إلى الجمود الفكري وسيطرة ثقافة النصوص وتراجع العقل التحليلي والاجتهادي إلى مراحل خطرة، والانغماس الفكري في التراث القديم حتى تقديسه وهيمنة الخرافة والأساطير على بعض العقول وانتشار النزعات التواكلية واللامبالاة مع إهمال الابتكار والعلم والمعرفة.
والآن يعود خطاب التنوير من جديد في المغرب والعالم العربي راغبا ليس فقط في إحداث قطيعة معرفية الماضي تبعا لدعاة الحداثة، بل تجاوزه إلى حد الطعن والتشكيك في الثوابت الدينية والسخرية منها وتقويضها.
وهذا الصنف من التنوير على طريقة “التنويريين الجدد” يعني ببساطة ليس فقط الانسلاخ من كل ما يمت بصلة للهوية العربية الإسلامية وتراثها وحضارتها الإسلامية، والتماهي مع كل ما هو “غربي” ، وإنما أيضا الانسلاخ من كل ما هو قيمي وأخلاقي وإنساني. فمن الصعب أن تكون تنويريا في هذا الزمن من دون أن تطعن في كل ما هو يمت بصلة للدين، كما يفعل بعض دعاة التنوير في المغرب. فكل نقائص وتناقض ينسبه للدين مثل نقد الدين (وليس فقط التديّن)، والهجوم عليه بالنسبة لهؤلاء، جواز مرور إلى المجال العام، وكسب الشهرة، والتقرب من السلطة من خلال إطلاق تصريحات واتخاذ مواقف تعادي الدين أو تهمشه ضمن منظومتها الفكرية، أو تسخر منه – هؤلاء قوم يحرثون في الماء، ويزرعون في رمال الصحراء، بلا فائدة أو تأثير حقيقي.
وهذا التنوير المزيف الذى يتبع أساليب الصدمة والتحقير ويتبع أقصى أساليب الاستعلاء من غير الممكن أبدا أن ينجح في إقناع الناس بتبني أجندته أو أفكاره، بل على العكس من ذلك النتيجة دائما تكون النفور بل ومزيد من التشدد في رد الفعل!
وفي ظل هذا الوضع المأزم أصبحت الحاجة ملحة لظهور تيار تنويري حقيقي، يتسم أصحابه بالواقعية واحترام ثوابت الدين، والإيمان بأهميته في الحياة الإنسانية. فالدين عموما يدعم العلم والمعرفة كما يعد عاملا محفزا للتطور والتقدم.
في النهاية، إن الإصلاح التنويـري المطلوب يقتضي تأسيس مشروع حضاري للأمة المغربية ينبغي أن يكون قائما على الاستنارة والعلم والمعرفة، واحترام ركائز الدين والإيمان بأن العلم يمثل مجتمع المستقبل. وهذا هو المنطلق والأساس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق