اخبار عاجلة

كرامة الصوفي والحقيقة العرفانية ودورها في تغيير المصائر وتطهير النساء الجانحات في رواية( جارات ابي موسى ) لمعالي وزير الاوقاف والشؤون الاسلامية الاستاذ الباحث والروائي احمد التوفيق

تقوم رواية (جارات ابي موسى ) لمعالي وزير الاوقاف والشؤون الاسلامية الاستاذ الباحث والروائي احمد توفيق  على تقنية التشاكل بين بنيتين ، بنية احالية مرجعية تاريخية واخرى مناقبية صوفية المرتبطة بالعنصر التاريخي والديني العرفاني . فهي لا تلجأ الى محاكاة الواقع الا من خلال وسيط ثقافي مرتبط بالذات العربية وعوالمها الرمزية . عالم الكرامات والولاية بغية بناء ضمير جمعي هو عالم بطل صوفي تنسج حوله حكايات التقديس وكرامات اولياء الله الصالحين ومناقبهم . بؤرة لجمع من الافعال المتعالية والخارقة المميزة لذات ابي موسى الصوفي صاحب الكرامات وهو الشخصية المحورية في النص . تضعنا الرواية منذ البداية امام فترة تاريخية مضطربة سياسيا من تاريخ المغرب زمن الحكم المريني والقلاقل والفثن من جهة والجفاف والمجاعة من جهة اخرى. حيث سعى الروائي باحترافية كبيرة ليجعل التاريخي في خدمة الفني والروائي مستدعيا الكرامة الصوفية لاحد اولياء الله تتدخل في نواميس الكون وتصحح مسار حقبة تاريخية . فرواية جارات ابي موسى تستثمر معطيات الثقافة الشعبية المرتكزة على التفكير الصوفي ومناقب اصحابه وذلك من خلالةحالتين :

_كرامةالمجذوب غريب الاحوال والاطوار الذي يلقبه العامة باسم لعجاج الذي اتى ذات يوم باثان ( انثى الحمار ) واخد يلاعبها  وقت خروج المصلين من صلاة الجمعة امام المسجد الاعظم بسلا .

_ كرامة ابي موسى وهو رجل طويل القامة خمرية السحنةلا يتقرب لذوي السلطان او اصحاب المال والجاه ولاةيشتغل عند احد او يتكفف لاحد  ويعيش من عساليج البحر يلقبه العامة بتامسنا .

لنتساءل في البدء عما تكون الكرامة ؟ انها معجزة خاصة بالصوفي وهي ضرورة لتحقيق توازن ووحدة الذات عبر فعل يتجاوز معايير المكان والزمان وهي فعل عجائبي لتحقيق الخير وضرب خصومه من قوى الشر بقدرة الهية تعين الولي الصالح على احقاق الحق والعدل ورفع الجور والظلم عن المستضعفين وتغيير المصائر نحو الافضل . وبالتالي تأتي الكرامة الصوفية من حيث كونها تنتصر دائما باذن من الواحد القهار الاحد الصمد الذي اذا قال للشيئ كن فيكون ( وما فعلته عن امري سورة الكهف ) وذلك يجعل ذات الصوفي الطاهرة المطهرة تنتشي بالقوة وبالسلطة فالوسيلة حميدة والغاية نبيلة . ويقضى على مشاعر النكوص والقلق المتنوع . فسر الكرامة هو تعبيرها عن الجانب المهمل والمنسي في تلك الذات الورعة التي لا يشي مظهرها بما تنطوي عليه من قدسية وقرب من الله سبحانه وتعالى (اهل الاحتقار من هم احق بالاسرار ) هذه الذات المنزهة عن الادران الدنيوية المرتقية الى سدرة الفضيلة . تجسدت الكرامة الصوفية في هذه الرواية المنقبيةفي شكل مواقف وملفوظات من خلال الفعل الخارق المرتبط بالمجذوب لعجاج وبابي موسى تحديدا باعتبارهما مثالين يجسدان القيام بافعال فوق طبيعية لا يفسرها العقل البشري المحدود والقاصر . تم التمثلات والوعي الجماعي لفئات اجتماعية مسحوقة تنشد الخلاص على يد هذان الصوفيان . نعيش في الفصول الاولى للرواية حكاية شامة التي بدأت حياتها كخادمة في دار ابن الحفيد قاضي قضاة سلا . فدخول شامة الى مجلس ضيوف ابن الحفيد ليس بالدخول العادي انه دخول سيقلب موازين عالم الرواية سيوازيه خروجها زوجة وعروسا لقاضي السلطان الجورائي وتحظى باسم جديد ورقاء مع ما يحمله هذا الاسم من حمولة صوفية . فقراءة الرواية قراءة افقية تجعلنا نقسم النص الروائي وحسب فصوله الى قسمين :

_ قسم تشغله شامة /ورقاء  وقسم يشغله ابو موسى بكراماته. القسم الاول يبدأ قبل خروج شامة من سلا عروسا في اتجاه فاس وعودتها الى سلا من جديد ارملة بعد غرق زوجها الجورائي بمعنى ان احداث الرواية تبدأ من سلا لتعود اليه .

القسم الثاني يبدأ بانتقال شامة الى سكنها الجديد بفندق الزيت مع زوجها الثاني الحديث العهد بالاسلام علي سانشو وصراعها الظاهر والخفي مع عامل سلا جرمون ومحاورتها للقطب ابي موسى الذي يجاور بائعات هوى ثم كيف ظهرت كرامته في تطهيرهن وهدايتهن وحمايتهن وزواجهن اخيرا وانقاذ شامة من ظلم جرمون وكرامة طلب الغيث ونزوله بعد اداء صلاة الاستسقاء مع شامة وبقية نساء فندق الزيت .فاذا كانت النصوص الروائية تجعل من المرأة رمزا للغواية ومكمن للمتعة الجنسية فان رواية جارات ابي موسى باعتمادها على الكرامة الصوفية سعت الى تطهير المرأة العاهرة مادامت هذه الاخيرة قد احتكت بالقطب الصوفي ابي موسى بل لقد جعل الروائي من المرأة طرفا في الكرامة ، فجل نساء فندق الزيت باستثناء شامة هن نساء ساقطات وبغايا ( تودة ، خوليا ، بيا ، اجا ، رقوش ، ملالة ، ، مماس ) . لذا عمدت جارات ابي موسي عن طريق كرامة ابي موسى الى تبديل مصائرهن نحو الافضل وبالتالي ازالة عنصر الدنس وانتقال مومسات فندق الزيت من التجربة الجسدية المنحطة الى التجربة الروحية المشرقة . وانتقل القطب الصوفي بهن من القهر الى الانتصار واسترجاع الكرامة المهدورة واثبات الكينونة والذات  وفرض وجودهن ككائن مدفوع للفعل بنفس سماوي مفارق وقوة غيبية وروحية كرماتية . قتم بذلك تحويل المرأة الى الانثى مصدر الخير والخصوبة والحياة والامل ومكارم الاخلاق . لقد مثلت شامة توأم ابي موسى الروحي ونصفه الاخر النقي وهي كانت بمثابة النموذج الاكمل للمرأة من حيث جمالها وطهارتها وعفتها ونقاوة سريرتها وعلى هذا المنوال انبنت عوالم هذه الرواية على ثنائية المدنس والمقدس فقد وظف ابو موسى كراماته لخدمة المظلومين والتنكيل بالظالمين ومساعدة المحتاجين ( سمكتان لكل امرأة يضعهما ابو موسى عند باب جاراته حينما اشتدت المجاعة وكأنه يرعاهن ويعرف انهن معرضات للهلاك وفي كل شهر يدفع للواحدة منهن مدا من الدقيق ). فالبطل الصوفي لعجاج الذي انقذ سفينة السلطان من الغرق في البخر وهو يلاعب الاتان وحادث الاستسقاء وطلب الغيث وحك الجلد هما فعل قاما به هذين القطبين للتوسط بين الله والناس من اجل دفع المكروه عنهم . وحينما ظهر سر ابي موسى وشاع خبر كراماته بين الناس فاضت روحه الطاهرة وانتقلت الى جوار ربها راضية مرضية .

بقلم ناصر الحرشي .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق