اخبار عاجلةثقافة و فنون

عالم متضارب المصالح متعدد الأقطاب

أبوالمجد عبدالجليل

منــذ انهيــار الاتحاد الســوفياتي وتفكك الكتلة الشرقية، لــم تنقطــع التوقعــات بشــأن الماهيــة التــي سيســتقر عليهــا النظــام الدولي مســتقبلا. فهناك مــن يتوقع اســتمرار الأحاديــة القطبيــة (الولايات المتحدة)، ويرى آخــرون عودة الثنائيــة القطبية (الصين مقابل الولايات المتحدة)، بينما يعتقد غيرهم أن النظام الدولي يتجه إلى أن يكون متعدد الأقطاب (الولايات المتحدة، والصين، وروسيا، والاتحاد الأوروبي، واليابان، والهند).
وفي الآونة الأخيرة لا ينتهي الحديث عن تغيرات النظام الدولي، وكثر البحث عن حقيقة تبدل معالم هذا النظام، الذي تحول إلى نظام القطب الواحد عقب سقوط جدار برلين ، ولكن مع مرور الوقت بدأت تخسر الولايات المتحدة سيطرتها القطبية أو أحاديتها بين الأقطاب، خاصة بداية بغزوها العراق سنة 2003 مرورا بالأزمة المالية الحادة في سنة 2008، وصولا إلى تفشي جائحة فيروس كورونا، إضافة إلى الطفرة التقنية التي تحققها الصين والتي بدأت تهدد التفوق التكنولوجي الأمريكي.
هذا النظام الدولي الجديد لايزال في طور الانبثاق، يقول الصينيون إن موعد استقراره سيكون في أواسط هذا القرن، ولكن جائحة كورونا عجلت في هبوب رياحه. وأصبحت الولايات المتحدة اليوم تواجه تحديات مصيرية بعد فيروس كورونا، إلى جانب النزاعات الاجتماعية التي اجتاحتها مؤخرا.
ومن الواضح اليوم بأن الولايات المتحدة الاميركية ، وهي القوة المركزية العالمية التي شكلت محور النظام العالمي حتى نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين , قد بدأت هيمنتها الجيوسياسية على أقل تقدير بالانحسار والتراجع في مناطق كثيرة من العالم ، والدليل على ذلك كثرة الدول والأنظمة التي بدأت التمرد على سياساتها ومخططاتها الاستراتيجية، وعدم قدرتها على فرض هيبتها وقوتها كما كان سابقا، وهو ما يستدعي تراجع نفوذها الجيواستراتيجي شيئا فشيء خلال الفترة القادمة، وبالتالي تلاشي دورها المركزي، وكونها محور النظام العالمي، خاصة مع زيادة أدوار لدول إقليمية، وبروز قوات عالمية جديدة الصين والهند واليابان.
وفي ظل هذه التطورات بدأت حالة كبيرة من الجدل حول سلسلة من الأسئلة الهامة التي بحاجة إلى إجابة، منها: ما المقصود بالقطب وبعالم متعدد الأقطاب؟ هل بدأت نهاية النظام العالمي أحادي القـطبية الذي تزعـمته الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة؟ وماهي الصعوبات التي ستواجه نظام تعدد الأقطاب؟ فما هي أهم القوى الفاعلة في تشكيله، وما هي ملامحه الرئيسية؟ وما هو مستقبل العالم العربي والإسلامي في هذا العالم متعدد الأقطاب؟
يمكن تعريف القطب العالمي بأنه الدولة أو الدول التي تمتلك مقدارا من القوة يمكنها من التأثير بصورة حاسمة في القضايا الدولية، والدفاع عن نفسها وعن حلفائها من المخاطر الخارجية، وإدارة نظام اقتصادي قوي ومزدهر.
لقد أثبتت تطورات العقود الثلاثة الأخيرة أن قياس القوى لا بد له من أن يشمل اقتصاد المعرفة كنتاج للثورة العلمية والتكنولوجية التي جعلت المعلومات والمعرفة هي الأساس في التقدم على المستوى الوطني، وتطور النظام الطبي، والقدرة على إدارة نظام دولي، أو المشاركة في إدارته، بصورة تتناسب مع القيم والأهداف التي ترسمها كل دولة ذات نفوذ وقوة عالمية.
و لا يكفي أن تمتلك الدول قوة عسكرية هائلة أو فوائض مالية ضخمة من عائدات النفط أو من الفوائض التجارية، حتى تصبح قوة عالمية أو قطبا في النظام الدولي، بل إن ذلك يقتضي أن تكون هذه الدولة متكاملة القوة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا.
وبناء عليه، فالدول التي تتوفر على معظم هذه المقومات يمكن حصرها في ستة، فإلى جانب الولايات المتحدة توجد روسيا الاتحادية، والصين، والاتحاد الأوربي، والهند، واليابان كقوى دولية مؤثرة.
والمقصود بتعدد الأقطاب هو مشروع عالم متوازن لا يهيمن فيه القطب الواحد المنتصر في الحرب الباردة بشكل نهائي، ويفرض نموذجه الاقتصادي والسياسي وجبروته العسكري على العالم، ومعلنا بذلك نهاية التاريخ.
ويعود مفهوم تعددية الأقطاب تاريخيا في الغالب الأعم مع يفغيني بريماكوف(1929 – 2015)، المهندس الاستراتيجي ووزير الخارجية الروسي السابق، والذي أعلن في سنة 1996 بدء الانتقال إلى عالم متعدد الأقطاب بوصفه أحد التطورات الأهم في العلاقات الدولية. فقد توقع أن ترتكز هذه البنية متعددة الأقطاب على مبادئ الاكتفاء الذاتي، والاستقلال، والانفتاح، والتماسك.
وفي سنة 1997 وبعد نشاط بريماكوف وقعت روسيا والصين بيانا مشتركا عن عالمٍ متعدد الأقطاب، وعن إنشاء نظام عالمي جديد. كما اقترح بريماكوف سنة 1998 توقيع اتفاق شراكة ثلاثية بين روسيا والهند والصين كخطوة عملية نحو مأسسة تعدد الأقطاب العالمي.
وفي المقابل يرجع بعض الباحثين الغربيين الأمر إلى سياسيين صينيين أو غربيين، بل ويرجعه البعض إلى مهندس الخارجية الامريكية هنري كيسنجر عند تفتيته الصف الشيوعي المتمثل بالصين وبالسوفييت.
هذا وبغض النظر عن تاريخ فكرة تعدد الأقطاب ومن هو مصدرها، فمن الواضح بأن هذا المفهوم ليس بالجديد، بل هو منتج ثقافي موروث من القرن الماضي.
وفي الأدبيات الروسية والصينية، تكثر تحليلات ودعوات لبناء نظام دولي جديد متعدد الأقطاب ويتجاوز مرحلة الهيمنة الغربية بقيادة الولايات المتحدة، كما أن مواقف كل من روسيا والصين رسميا تدعم هذه الفكرة/ المبدأ. فالعالم بالنسبة لبكين هو متعدد الألوان، ومتنوع الثقافات، والقيم، والسلوكيات، وله جذور حضارية مختلفة، وبالتالي فلا يمكن أن يكون كله علي شاكلة واحدة، مهما يكن مستوي الاحتكاك والتداخل مرتفعا بين المجتمعات المختلفة، نتيجة التجارة البينية، وثورة الاتصالات، وآليات العولمة. وبالنسبة لروسيا هو عالم متعدد الأقطاب، أكثر استقرارا من النظام أحادي القطبية أو من النظام الفوضوي الذي يشهده مطلع القرن الحادي والعشرين بسبب انتشار أسلحة الدمار الشامل ، وتسميم المناخ بطريقة يتعذر إصلاحها، وانتشار الفقر على المستوى العالمي، إذ 20% من سكان العالم يحتكرون 80% من ثرواته.
وفي هذا السياق، يرى هنري كيسنجر في كتابه (النظام العالمي) الصادر سنة 2014 أن النظام العالمي الجديد يستحيل أن يكون أحادي القطب، بل ينبغي أن يكون متعدد الأقطاب، مشتركا بين الولايات المتّحدة والصين، معتبرا أن لا مناص من عالم متعدد الأقطاب، يسوده اقتصاد السوق.
ووفقا لدعاة التعددية القطبية على الطريقة الروسية، لا تشكل كل دولة في العالم ولا حتّى تحالف عدة دول بالضرورة قطبا منفصلا ضمن النظام العالمي. يرى بعض المحللين بانه لا يمكن لأية دولة أن تصبح قطبا بل مجرد “حضارة مكتفية-ذاتيا” فالقطب في عالم متعدد الأقطاب هو حضارة + مساحة كبيرة “أي الوحدة الثقافية المرتبطة بسمة إقليمية معينة”. القطب هو ثقافة + سطوة. القطب هو هوية “أصالة ثقافية” + سيادة أي “القدرة على حماية هذه الأصالة”.
الواضح الآن أن العالم قد تغير، وأن الحقبة التي بدت أحادية القطب، بزعامة الولايات المتحدة، ذهبت إلى غير رجعة، لكن الوصول إلى التعددية القطبية، و تحقيق التوازن النسبي في العلاقات الدولية بشكل عام، لن يخلو من صعوبات، وعقبات، ومواجهات أحيانا. إذ سيستمر النظام الحالي في صراع وصدام وجودي مع النظام التعددي الناشئ، والذي بدأ بالتشكل منذ منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وسيستمر على ذلك خلال هذا العقد، والذي من المرجح أن ينتهي بشكل كامل وبأقصى تقدير مع نهاية العقد الثالث من هذا القرن. وكما نبه إلى ذلك فريد زكريا رئيس تحرير (نيوزويك) السابق في كتابه “العالم ما بعد أمريكا”، أن فشل الإمبراطوريات -كفشل أي أمة- له أيضاً سيناريو من خطوات محددة تمر بها الإمبراطورية في طريقها إلى الغرق. يبدأ سيناريو هبوط الإمبراطورية “بالاطمئنان”، حيث تقنع القيادة السياسية بأن دولتها تربعت على عرش العالم وأن العالم استوعب ذلك وقبِله. هو ذلك الشعور الذى عاشته فرنسا نابليون وألمانيا بسمارك وبريطانيا باكس- بريطانيكا، والاتحاد السوفيتي ما بين ستالين وخروشوف، وتعيشه القيادة السياسية في الولايات المتحدة منذ عهد ريجان وحتى يومنا هذا.
لكن يتعين التأكيد هنا أن الولايات المتحدة رغم ذلك ستظل تشكل القوة الرئيسية على مستوى العالم من حيث مؤشرات القوة المعروفة: السياسية والاقتصادية والعسكرية، ولكن ليست كقوة مركزية مهيمنة مسيطرة كما كانت في الماضي، بل ستتحول إلى دور الناظم والمنظِّم للعلاقات الدولية من خلال التنسيق والتوجيه والإرشاد.
وهكذا يستشف أن العودة إلى نفس النظام العالمي الذي كان سائدا قبل بداية هذه السنة أصبح مستحيلا. وعلى الرغم من بقاء بعض العناصر الأساسية من النظام العالمي الذي مازال قائما، ولكن الحفاظ على النظام بأكمله كما هو قبل الأول من سنة 2020 بات ضربا من الخيال. نقطة البداية هي جائحة فيروس كورونا. لقد (دفنت) الجائحة الهيمنة الغربية وشكلت امتحانا عسيرا وضعت على المحك الدول والمؤسسات الدولية في القرن الحادي والعشرين، مما سيترتب عنها واقعا استراتيجيا وتحالفات وعلاقات دولية مختلفة تعكس موازين القوى.
وبمعنى أخر فجائحة فيروس كورونا العالمي وتوقيت انتشارها هي نقطة تحول في تاريخ العالم. فما لم تفعله الأيديولوجيات، ولا الحروب، ولا المعارك الاقتصادية العنيفة، ولا الإرهاب، ولا الحركات الدينية، قد حققه فيروس غير مرئي ولكنه مميت. جلب الموت والمعاناة والرعب والذعر والحزن … ولكن أيضا جلب معه المستقبل.
من الصعب الجزم كيف سيبدو أو ما سيؤدي إليه. ومع ذلك، فسيكون عالم متعدد الأقطاب لامحالة، وليس نظام “الثنائية القطبية” كما كان عليه الحال زمن الحرب الباردة، عالم يتم فيه الاحتكام للقانون الدولي وإعادة الاعتبار للمواثيق الدولية التي مزقت شرعيتها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها لعقود متتالية، مما أدى إلى سقوط الرصيد الأخلاقي للمنظمات الأممية، خاصة الأمم المتحدة، وأبرز أجهزتها المتمثلة في مجلس الأمن بالنظر إلى ازدواجية المعايير، وعدم إنصاف الدول الضعيفة .
إن العالم قد تغير وهو في طور حقيقي لعالم متعدد الأقطاب، يتقاسم الكبار شؤون تسيير العالم (أمريكا، الصين، روسيا، الهند، الاتحاد الأوروبي، وإلى حد ما البرازيل). وعالم متعدد الأقطاب المتآزر والمتعاون يمكن أن يكون أكثر استقرارا وازدهارا وأمنا للبشرية جمعاء.
وعلى المستوى العالم العربي والإسلامي فتعددية الأقطاب والمتغيرات الدولية المتسارعة يمكن أن تكون فرصة سانحة أمام الدول العربية والإسلامية لتنويع علاقاتها وارتباطاتها السياسية والاقتصادية مع الكل، وستساعد تعددية الأقطاب الشعوب العربية والإسلامية على تعزيز قدراتها الكبيرة للدفاع عن أمن شعوبها، وحقوقها المشروعة، لاسيما إقامة دولة فلسطينية مستقلة جنبا إلى جنبا مع دولة إسرائيل.
غير أن الدول العربية والإسلامية لن تكون قادرة بشكل فردي على المنافسة الكاملة مع الآخرين والدفاع عن مصالحها بشكل فعال، إذ يتعين إحداث تكتلات للتكامل العربي والإسلامي، مع ماليزيا وإندونيسيا وباكستان في الشرق، ونيجيريا وسنغال والسودان في إفريقيا.
وختاما عالم متعدد الأقطاب، هو ما تحتاجه المرحلة المقبلة، خصوصا بعد ما شهدته البيئة الدولية منذ استفراد قوة عظمى واحدة، وتربعها على عرش العالم لأكثر من عقدين من الزمن، من اختلال للموازين، واستغلال للضعفاء، واتساع دائرة الفقر والصراعات حول العالم، واستمرار توحش الرأسمالية التي خلفت أزمات اقتصادية عالمية، وما شاب المرحلة من عجز المنظمة الدولية عن إيجاد الحلول لقضايا الأرض والمناخ وحقوق الإنسان. ولعل التطورات التي شهدتها السنوات الخمس الماضية وضعت أسس الانتقال أو العودة إلى هذا النظام العالمي المتعدد، و السنة الجديد ستكون نقطة البداية لاستعادة التوازن في العلاقات الدولية في ظل عالم متعدد الألوان والأقطاب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق