اخبار عاجلةثقافة و فنون

رهان الأصالة والمعاصرة

أبو المجد عبد الجليل
إشكالية الأصالة والمعاصرة ليست مسألة جديدة على العقل العربي ، بل إنها طرحت عليه بحدة منذ حملة نابليون على  مصر، حيث أفاق الشرق من سباته العميق.  فقام مجموعة من المصلحين والسياسيين  والمفكرين بصباغة تأملات وحلول  لمواجهة التحدي  والتفوق الغربي ولإجابة عن السؤال المحوري المتمثل في السؤال لماذا تقدم الغرب وتأخرنا نحن؟
ومن هنا شهدت الساحة السياسية والفكرية العربية ثنائيات عديدة جرت تحت اسم: التقليد والتجديد، المحافظة والتحديث، الجمود والتحرر، الرجعية والتقدمية، التراث والحداثة، والأصالة والمعاصرة وغيرها من الثنائيات.
ويعد تعبير الأصالة والمعاصرة الأقرب إلى الصواب لانسجامه مع الواقع السياسي والثقافي العربي من تعبير الحداثة. فما هي الأصالة وما هي المعاصرة ؟ وكيف يمكن أن تكون الأصالة معاصرة؟
الأصالة سواء وصف به الفرد أو المجتمع أو الثقافة هو أحد المفاهيم التي تضررت كثيرا بسبب سوء الاستعمال والخلط الذي انتهى إلى عكس مضمون الأصالة وبهذا انقلب المفهوم إلى ضده وبسبب هذا الاختلال الشديد الذي أصاب المعنى أصبح الانسان الأصيل هو الذي يقدس التقليد ويحارب الفكر الناقد وصار المجتمع الأصيل هو الذي يرفض التقدم  والإبداع، في حين أن الأصالة لغة  وروحا تعني “الابتكار والتميز، فالأصالة في الرأي : جودته ، وفي الأسلوب ابتكاره وفي النسب عراقته، فالأصالة تعني القدرة على الإبداع والابتكار في إنتاج أدوات أو مخترعات أو أي أعمال فنية وأدبية ، وبعبارة أخرى هي امتياز الشيء أو الشخص على غيره بصفات وابتكارات جديدة صادرة عنه. و الأصالة بهذا المعنى لا تتناقض أبدا والمعاصرة، بل هي المعاصرة ذاتها.
ولقد عرف التراث الإسلامي الأصالة وحققها حينما كان معاصرا، أي حينما كان يعتمد العلم والمعرفة ويمتلك وعيا بالذات وبالزمان وبالتاريخ.
أما المقصود بالمعاصرة بمعناها  الحقيقي فهي التفاعل مع العصر ومواكبة أحدث ما توصل إليه العالم في مجالات العلم  والمعرفة المختلفة وبما يعود على الإنسان في كل مكان بتطوير كافة قدراته لمصلحته ومصلحة البشرية، على أن لا يعني ذلك أبدا القطيعة مع الماضي. فلكل أمة ماض وأصول ولها في ذات الوقت متطلبات اجتماعية وتاريخية ينبغي أن تتفاعل معها والتقصير في الاستجابة لمتطلبات الواقع والتفاعل معها على قدر من المسؤولية والكفاءة لا يعني عجز الأصالة والتاريخ والتراث الإسلامي أو أن السبب كامن فيهما وإنما يعني عجز إنسان العصر ومجتمعه على فهم واقعه والتجاوب معه والسيطرة على اشكالاته بالعلم والمعرفة. وتحقيق المقاصد الانسانية التي ينبغي أن يحمل عبئها كل جيل في زمانه ومكانه. فالأصالة قوة تمد الأجيال بالعزم وتدفعهم نحو الاستمرار بطرق أفضل إلى الأمام.
يستشف مما سبق أن اتحاد الأصالة بالمعاصرة أمر ممكن، فهذه اليابان تخوض تجربة تاريخية ناجحة حين تلتقى بالحضارة الغربية الوافدة وتستخدمها  أداة  في مؤسساتها الصناعية والزراعية والتقنية وسواها، دون أن تخسر شيئا من مقومات ثقافتها  القديمة الأصلية، فما هو سر التقدم؟ انه يتمثل في وجود نخب اجتماعية مسيطرة تقود المجتمع وتسعى إلى تحديثه في كل مجالات الحياة  بعزم وتصميم لا يعرفان الكلل، فهذه طريق التقدم وهى طريق الحياة.
وأختم بإحدى الأساطير الهندية القديمة مسألة الأصالة والمعاصرة في حكاية أوجزها بما يأتي:
“ورد أن رجلا توفى ولم يترك لأبنائه الثلاثة سوى (بطيخة، أما الابن الأكبر فقد عرض على أخويه الاحتفاظ بالبطيخة كذكرى موروثة من أب عزيز. أما الابن الأصغر فقد عارض ذلك في حدة وانفعال، إذ أن ذلك لن يجلب عليهم إلا العفونة والرائحة الكريهة المؤذية لذا يجب التخلص منها، وأما الابن الأوسط فقد تمهل وكان آخرهم قولا فقد عرض عليهما أن يشتروا أرضا، فعجبا من رأيه وسألاه لماذا؟ قال: علينا أن نأكل البطيخة ونلقى قشرها ونزرع بذرها في هذه الأرض بعد شرائها، فنخلد ذكرى أبينا وننتفع بما يعود بالخير على أنفسنا وأهلينا وجيراننا، وبما هو باق بعدنا إلى أولادنا وذرارينا”.
ويلاحظ على هذه الأسطورة أن الابن الأكبر يمثل السلف (الماضي) بينما يمثل الولد الأصغر (التحلل من هذا الماضي) أما الولد الأوسط فإنه يمثل (الحكمة في الأحوال جميعها)، الماضي والحاضر والمستقبل معا، إذ يجب أن تكون حكمة في الأخذ والترك، في العزل والاختيار، فلا يمكن تجاهل الماضي لحساب الحاضر والمستقبل كما أنه لا يمكن الوقوف على أعتاب الماضي (وتخليده) فكل شيء من حولنا يتقدم ويواكب العصر. و المشكلة بين القديم والحديث تمثل أساسا من أسس الصراع المستمر، إذ أن كل جديد سيصبح قديما، كما كان القديم في يوم من الأيام جديدا، وهذه هي إحدى القواعد كونية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق