اخبار عاجلةثقافة و فنون

المعادلة الصعبة في المغرب أداء الواجب وطلب الحق

عبد الجليل أبوالمجد
تعتبر مسألة الحق والواجب من المسائل المهمة التي شغلت كثيرا الفلاسفة والمفكرين في مختلف الحضارات وعلى مر العصور.
وشكل تنظيم العلاقة بين الحق والواجب وقضية أسبقيتهما في الوجود جدل وتناقض بين الفلاسفة حيث رأى البعض أنه يجب تقديم الحقوق قبل المطالبة بالواجبات بينما رأى البعض الآخر أنه لابد من أداء الواجبات ثم المطالبة بالحقوق. فما هو مفهوم الحق ؟ ما هو الواجب ؟ وما طبيعة العلاقة بين الحق والواجب ؟ وهل هاتان الكلمتان متلازمتان ؟ وهل يميز المغربي بين حقوقه وواجباته ؟
قبل التطرق لإشكالية الحق والواجب يتعين التأكيد في البداية أن الخوض في مسألة الحقوق والواجبات، يتطلب قدرا كبيرا من الإدراك والفهم، فالواجبات والحقوق متلازمان، لا يمكن بحال الفصل بينهما.
وتعريف الحق والواجب ليس بالبساطة التي يتصورها الكثيرون، وإنما أثار تحديد ماهيتهما جدلا فلسفيا وفقهيا منذ القدم ولا يمكن بيان ماهية الحق دون تمييزه عن الواجب.
في المادة اللغوية تدور كلمة الحق على معان عدة، منها الثبوت والوجوب واللزوم ونقيض الباطل والنصيب (ابن منظور لسان العرب). وبذلك تعددت التعاريف التي أعطيت لكلمة الحق عند أهل اللغة من العرب.
وجاء في كتاب “المدهش” للفقيه الحنبلي ابن الجوزي: الحق يأتي بمعنى الجرم “ويقتلون النبيين بغير حق”، وبمعنى البيان “الآن جئت بالحق”، وبمعنى المال المستحق “وليملل الذي عليه الحق”، وبمعنى القرآن “بل كذبوا بالحق”، وبمعنى الصدق “قوله الحق”، وبمعنى الحاجة “ما لنا في بناتك من حق”، وبمعنى لا إله إلا الله “له دعوة الحق”، ويراد به الله عزّ وجل “ولو اتبع الحق أهواءهم”، وبمعنى التوحيد “وأكثرهم للحق كارهون”، وبمعنى الحظ “والذين في أموالهم حق معلوم”..
اما الواجب فيعرف في اللغة العربية بأنه اللازم، والمفروض، والمحتم من الأمور التي يجب على الشخص القيام بها، فيقال واجب عليك أي أنك ملزم بالقيام به أو تركه. جاء في لسان العرب: “وجب الشيء يجب وجوبا أَي لزم… يقال: وجب الشيء يجب وجوبا إِذا تبث، ولزم.”. و هذا التعريف نفسه ورد في المعاجم العربية الأخرى المشهورة.
والقاعدة الرئيسة في الإسلام الواجبات، إذ إن الإسلامَ يربي أتباعه على البحث عن واجباتهم ليلتزموها، ويخاطب كلا منهم ويجعله مسؤولا، ويسميه (المكلف) بمعنى أنه المتحمل للمسؤولية، ويطالبه أن يتعلم واجباته في البيع والشراء والأخذ والعطاء؛ ليعرفها ويعمل بها ويعطي الحق من نفسه.
وفي هذا السياق، يقول مالك بني نبي (1973-1905) في كتابه بعنوان شروط النهضة ” إن الحق ليس هدية تعطى ولا غنيمة تغتصب، وإنما هو نتيجة حتمية للقيام بالواجب، فهما متلازمان”.
وبالأهمية بمكان التأكيد على أن العدالة الحقيقية لا تبنى على الحقوق لوحدها ولا على أساس الواجبات لوحدها، بل إنها تقوم على فكرة التوازن بين الحق والواجب. فعدم قيام الفرد من جهة بواجبه لا يتيح له المطالبة بحقوقه، كما أنه من جهة أخرى لا يمكن مطالبة الفرد بواجباته إذا لم تمنح له حقوقه.
ومن هنا يبدو الارتباط والتلازم بين مفهومي الحق والواجب. وبمعنى آخر فالواجبات تقابلها الحقوق والحقوق تقابلها الواجبات. وعندما يفشل الناس في أداء واجباتهم بشكل صحيح، تصبح جميع الحقوق بلا معنى.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‬وإن الناظر لأحوال الناس في مغرب اليوم، يلاحظ أن كثيرا من الناس يطالبون لأنفسهم بالحقوق قبل أن يؤدوا ما عليهم من واجبات، لذلك لا غرابة أن ينال بعض الناس حقوقا ليست لهم، وإنما هي لغيرهم ممن أدوا ما عليهم من واجبات. وفي الوقت نفسه هناك أشخاص يحرمون من حقوقهم بالرغم من أنهم أدوا واجباتهم‮ ‬كاملة‮ ‬غير‮ ‬منقوصة‮.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬ وهذا التناقض الصارخ بين التشبث بالحقوق والتنكر للواجبات أدى إلى تصدع كبير وتأزم وتناقض داخلي للفرد والمجتمع معا.‬‬‬‬‬‬‬‬
وهذا الأمر لا يرد إلى عيوب أصيلة في شخصية الأفراد، أو انحراف شخصي في مجال الشعور الوطني، وإنما إلى إحساس شرائح واسعة من المغاربة أن الحق غير مضمون، وأن لا مجال للمواطنة في وطنه إلا عن طريق الولاء والاخلاص. هذا الشعور العام أدى إلى خلل كبير في منظومة القيم، لاسيما في أداء الواجب وطلب الحق.
وهكذا أصبح كثير من الناس غير مبال أمام بما يجري حولهم من أحداث وتطورات، ولا هم لهم في هذا الوجود سوى الحفاظ على نفسهم ومكتسباتهم وتحقيق رغباتهم بأي وسيلة كانت، حتى وإن كان ذلك على حساب مصالح الآخرين.
فما أحوجنا اليوم قبل الغد إلى ترسيخ مبدأ الحق مقابل الواجب في كل مجالات حياتنا وعلاقاتنا، وبخاصة في مجال العمل والنزاهة، إذ لا يمكن للحياة ولا العلاقات أن تستقيم من جانب واحد.
وختاما إن مبدأ الحق والواجب أساس الحوار وضمان الاستقرار ومطلب التقدم والإزدهار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق