اخبار عاجلةثقافة و فنون

المثقف المغربي بين الانتهازي/المخادع والملتزم/المكافح

أبوالمجد عبد الجليل
يمر العالم بتحولات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، وفي خضم هذه التغيرات المتسارعة الشاملة، فإن الدولة المغربية تواجه العديد من التحديات التنموية. والمقام هنا ليس لسرد تلك التحديات والقضايا والسعي إلى المساهمة في حلها وإنما لإثارة التفكير والنقاش حولها. ومن ضمن القضايا الشائكة في المغرب قضية المثقف. فمن هو المثقف ؟ وكيف تطور المفهوم عبر التاريخ؟ وما أصنافه ؟ وما معنى أن يكون المثقف ملتزما؟ وما دوره في الراهن المغربي؟
بداية يتعين الإشارة إلى أنه ليس من السهولة إيجاد تعريف واحد جامع مانع لمفهوم المثقف، حيث كتب الكثير عن المثقف، لكن لا يوجد اتفاق بين المفكرين والباحثين على تحديد من يمكن أن يطلق عليه مثقفا.
ولعل من أبرز المفكرين الغربيين الكبار، الذين حاولوا الغوص في تعريفات غربية للمثقف يذكر الكاتب الفرنسي جوليان بندا والمفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي والفيلسوف الفرنسي جون بول سارتر.
تطرق المفكر والروائي الفرنسي الراحل جوليان بندا لقضية المثقف في كتابه (خيانة المثقفين). فالمثقف عند جوليان بندا له سلطة أخلاقية تفوق كل سلطة دنيوية أو مادية. فلابد للمثقف الذى يستحق هذا الاسم عنده إذن أن يترفع عن الدنيا، وأن يعرض عن المزايا المادية أو الشخصية. فالمثقف الحقيقي عنده هو “ذلك الذي لا يسعى بثقافته وراء أي غرض مادي، وإنما يجد تحققه وسعادته في ممارسة الفن أو العلم أو الاستقصاءات الفلسفية”، وباختصار في اختيار مزايا غير مادية. ولذلك يقول جوليان بندا في كتابه (خيانة المثقفين) إن المثقفين الحقيقيين يشكلون طبقة العلماء أو المتعلمين البلاغي الندرة حقا، لأن ما ينادون به هو المعايير الخالدة للحق والعدل، وهي التي لا تنتمي إلى هذه الدنيا.” وهذا لا يعنى بأي حال من الأحوال أن المثقف عند جوليان هو شخص معزول في برج عاجي يواصل اهتماماته المغرقة في الخصوصية، وإنما هو الشخص الذى تحركه كمثقف قناعاته بمبادئ الحقيقة والعدالة.
أما المفكر الإيطالي الراحل أنطونيو غرامشي فيذكر في مذكراته (السجن) “إن جميع الناس مفكرون، ولكن وظيفة المثقف أو المفكر في المجتمع لا يقوم بها كل الناس” .و هو من يقول “كل من يعمل في أي مجال يتصل بإنتاج المعرفة ونشرها هو مثقف” . ويقسم المثقفين إلى مثقف تقليدي يملك ثقافة مهنية بحسب طبيعة عمله وينقل ثقافة متواترة من جيل إلى جيل. إلى جانبه يوجد المثقف العضوي الذي يحمل هموم المجتمع والأمة ويملك القدرة المعرفية وملكة التفكير والرؤية الاستشرافية.
خلافا لأنطونيو غرامشي يرى الفيلسوف الفرنسي الراحل جون بول سارتر في كتابه الشهير (دفاعا عن المثقفين)، أن المثقف صاحب الموقف الملتزم والمنحاز إلى القيم والعدل والحق والنيات الحسنة، قبل يكون تقنيا ومتخصصا بفروع العلم وفنانا. ويعرف سارتر المثقف بأنه هو ذلك الكائن الذي يتدخل فيما لا يعنيه. ويميز بين نوعين من المثقف، الأول هو المثقف الحقيقي والثاني هو المثقف المزيف Pseudo intellectuel، والمثقف الحقيقي هو من يقول كلمة (لا) ولكن المثقف المزيف هو من يقول (لا ولكن)!، أي يبرر ما لا يحتمل إلا النقد والمعارضة. وبمعنى آخر، المثقف الحقيقي يدافع عن الحريات، إنه الكائن الذي يصر على قول الحقيقة، بينما المثقف المزيف هو من يدافع عن الوقائع بذرائع شتى لا تصمد أي منها أمام مطرقة النقد لهذا الواقع.
عربيا من أبرز الكتاب المعاصرين المهتمين بمفهوم المثقف هو المفكر الراحل إدوارد سعيد، التي ضمنها في عمله الشهير (المثقف والسلطة)، حيث اعتبر المثقف هو الشخص الذي يتحلى بقدرة خاصة في تجسيد هموم شعبه وإيصال رسالته ومواقفه وتوجهاته للناس. يقول إدوارد سعيد في كتابه (صور المثقف)، قائلا: “إن قول الحق في وجه السلطة ليس مثالية مفرطة في التفاؤل. إنه تأمل دقيق في الخيارات المتاحة واختيار البديل الصالح، ومن ثم تمثله بذكاء، أينما يمكن إعطاء النتيجة الفضلى وإحداث التغيير الصائب”.
و أيضا من فلاسفة العرب في القرن العشرين الذين انكبوا على سؤالي الثقافة والمثقف المفكر المصري الراحل زكي نجيب محمود في كتابه(مجتمع جديد أو الكارثة) حيث عرف المثقف بأنه “الشخص الذي يروج للقيم العليا – أخلاقية أو جمالية – وفي هذا يكون الفرق بين المتخصص الذي وقف عند تخصصه في فرع من العلوم، والمثقف الذي ينشر الفكر ليس لمجرد أنه أي فكر وكفى، ولكن لأنه في نظره هو الفكر الذي ينتج حياة أفضل أو أجمل”.
يستشف مما سبق، أن المثقف ليس نبيا ولا مصلحا، بل هو في المقام الأول ناقد لواقع وداع لتجاوزه نحو الأفضل من خلال الانتاج والنقد البناء والإبداع الثقافي الرصين والراقي.
ومن المعروف أن للمثقف دور هام وخطير في الوقت ذاته، وهذا يعتمد على نوع الثقافة التي يحملها ويتعامل بها ويحاول إيصالها للمجتمع. فالمثقف هو ذلك الإنسان الخلاق فكريا، الذي يسعى لرفع الوعي المجتمعي، والارتقاء بالذهنيات وتغيير النفسيات.
وسواء كان المثقف مكافحا في قضايا الحقوق والحريات، أو داعية تنوير، أو منتجا للفكر: ثوريا أو إصلاحيا، فالمثقف يمكن أن يبني كما يمكنه أن يهدم.
وفي الآونة الأخيرة يواجه المثقف وضعا معقدا، إذ لم تعد مشكلة المثقف مع السلطة السياسية، أو الدينية فقط، بل هي مع المثقف الانتهازي الزائف. وهذا الصنف المتكاثر باستمرار، لا لون لهم ولا طعم ولا رائحة. هؤلاء يشكلون وعيا ديماغوجيا، لا يثبتون على موقف، يقومون بدور هدام في المجتمع، ومربك للدولة، يثيرون من الأزمات أكثر مما يقدمون من الحلول، وأصبح دورهم تشتيت المجتمع ومهاجمة الدين والتقاليد الأصيلة بدعوى التنوير، وقد سهل الأمر على هؤلاء توافر وسائل التواصل الاجتماعي.
ومن مميزات الصنف الانتهازي الزائف أنه يفقه في كل شيء ويطلق عليه أحيانا الخبير وأحيانا اخرى المحلل، يتحدث نفاقا بلغة الرفض والنفي، في حين أن المثقف الحقيقي يتحدث بلغة الاحترام والاختلاف. يقول سارتر في كنابه الشهير (دفاعا عن المثقفين) ” إن المثقف الزائف لا يقول مثله مثل المثقف الحقيقي، بل يستخدم بالأحرى تعبير “لا” “ولكن” أو تعبير “أعلم ذلك جيدا وإنما” ….الخ. فهو يختبئ وراء كلمة “ولكن” لأنه يخشى الجهر بالحقيقية، وبالتالي ينافق من فوقه” ويصفه سارتر بقوله “إن أكبر عدو للمثقف هوما ادعوه بالمثقف المزيف”.
ويعد هذا النموذج المتواجد بكثرة في المغرب من أخطر نماذج المثقفين، ويمكن وصفه بالمثقف الزئبقي عاشق المال والمنصب وحب الظهور ينتقل بين مختلف وسائل الإعلام، يستعين بالبلاغة حتى يتفلت ويستحيل الإمساك له بموقف. وبمعنى آخر المثقف الزئبقي أو المراوغ يجيد فن مسك العصا من الوسط. وفي الغالب يقول في الملأ نقيض ما يقوله في الجلسات والصالونات الخاصة.
وهذا الصنف البشري لا يهمه الوطن وتوابعه بل همه المقابل المادي او المعنوي شعاره الخالد “الغاية تبرر الوسيلة”. وهو منتمي وغير منتمي في آن واحد. إنه حالة زئبقية بلا جذور، وجوده زائف لأنه لا يستطيع الوقوف بذاته كمثقف له رأي ومبدأ، لذلك تراه ملكيا أكثر من الملك.
وصفوة القول، إن المثقف في مغرب اليوم مطالب بأن يبحث عن المفاتيح التي تجعل منه مشاركا فاعلا في الحياة الثقافية ومساهما في نفس الوقت في تنمية وتقدم الوطن.
فالثقافة تنمية والتنمية ثقافة، والمثقف بما يملك من رصيد معرفي وطموح نحو الأفضل يتعين عليه أن يحول هذه الروح إلى سلوك من خلال إشاعة التفاؤل والأمل وترسيخ الوعي بالذات وتمجيد قيم النقد البناء وتمكين ثقافة الواجب والحق لدى الناس.
المغرب بحاجة اليوم قبل الغد إلى المثقف الملتزم الإيجابي الذي يغرس الأمل ويبني الفضيلة ويؤصل المنهج السليم في النقد لمواجهة سلبية الغوغائيين والمتذمرين والساخطين ومن يعتدون على حرية الإنسان وقناعاته وأفكاره ومصادرة توجهاته، فالمثقف الحقيقي هو مثقف الوطن يخاف على وطنه ويحترم أبناء جلدته، يمتلك رأيا ويصرح به. همه الدفاع عن الحقيقة دون انتهازية، والسهر على قيم المجتمع النبيلة ومبادئه الرصينة دون مقابل.كان المفكر الإيطالي غرامشي يردد “المثقف الذي لا يتحسس آلام شعبه لا يستحق لقب المثقف”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق