ثقافة و فنون

القراءة ..و حياة الكائن

ليس من قبيل الكلام الشعري أن نعنون هذه المقالة بهذا العنوان ، الذي يبدو للوهلة الأولى شعارا أكثر منه حقيقة تذهب إلى حد التطابق و التماهي، ذلك أن الحياة من غير قراءة ، عنوان كبير لكائن لم يكن شيئا مذكورا، و من هنا تم تسجيل التاريخ بما قبل لا نعرف عنه إلاالقليل، و ما بعد نعرف عنه الكثير طبعا، و لم يكن الفاصل بينهما غير الكتابة أي القراءة، فبالقراءة استطاع الإنسان أن يؤسس لمعنى إنسانيته و حقيقة وجوده ، و أن يمارس رسالته التي ما كانت لتتحقق إلا بشرط العلم، و لا تحقيق للعلم من غير قراءة ومنه أمر الله تعالى بالقراءة قبل أي كلمة أخرى في العقيدة أو العبادة. فما الذي نقصده بالقراءة؟ و ما العلاقة بين العلم و القراءة في الثقافة العربية ؟ و ما هذا الذي نسميه علما في عالمنا المعاصر؟ و ما تأثير القراءة تاريخيا و جغرافيا؟ و ما هو وضع الدول العربية مجتمعة تجاه العالم المعاصر و تجاه تراثنا من حيث إنتاج عناوين الكتب و الوله بالقراءة و الإقراء؟ و ما علاقة القراءة بالحرية و السلطة؟..

قد تختلف الإجابات عن سؤال معنى القراءة، نظرا لكثرة استعمالات هذه الكلمة في سياقات مختلفة، ذلك أن من القراءة قراءة الصحف،و قراءة المستقبل، و قراءة الصورة و المسرحية و حركات الجسد و الفنجان و الكف…. و.. الكثير من المعاني المستعملة التي قد نتفق فيممارستها و قد لا نتفق، لكن تبقى كل تلك الاستعمالات مشتركة في معنى تفكيك الرمز و المختزل و إعادة تركيبه، و من هنا جاز لنا أن نعرف القراءة بأنها  القدرة على فك رموز تختزل الزمان والمكان ، و على إعادة بنائها و تركيبها بشكل بيّن يضمن لها النمو و التطور والانتشار. فالقراءة أولا قدرة لا يمتلكها سوى الإنسان فهو المؤهل الأول و الأوحد لاكتسابها ذلك أنها شرط وجودي لتحقيق مهمة الاستخلاف في الأرض، و إذا ما تبين هذا المعنى أمكننا القول أن القراءة تمثل خيطا رفيعا لكنه فارق و بشكل نوعي بين الناس، فمنهم من سيرتقي بفضل القراءة إلى تحقيق كامل إنسانيته ومعنى وجودها ، و منه تحقيق وعد الله فيه و حمل أمانته على هذه الأرض، وإلا كان دون ذلك.

و لما كانت القراءة و العلم وسيلة كما هو ظاهر ، فهو ككل وسيلة يمكن أن يستعمل لأغراض قد لا تنسجم و روحه و غاياته، كما هو حاصل اليوم ، فكان لابد لنا من إثارة السؤال ، لماذا نقرأ ؟ و ماذا نقرأ ؟ طبعا كل الإجابات قد تذهب  إلى  تحقيق المتعة و زيادة المعارف … و ليست كل القراءات تحقق المتعة و لا كلها تزيد في المعرفة فقد يتحقق خلاف هذا، ثم إن هذه الإجابات لا ترتقي إلى وضع محددات و أطر تساهم في خلق وعي يوجه نوع قراءتنا لتكون ممتعة و مفيدة لنا و لغيرنا ، و فوق هذا لا تحقق المعنى الجوهري من القراءة المتمثل في ما سبق أن حررناه، لذلك  فأروع ما يحدد جواب هذا السؤال هو قول الله تعالى : ” اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم ، الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم” ، و منه تكون  الغاية الأولى من القراءة معرفة الله تعالى أولا، و هذا المعنى هو الغاية الأولى للعلم أيضا و الآيات القرآنية في ذلك كثيرة، أما الغاية الثانية فهي معرفة الخلق ويشهد على هذا المعنى آيات عديدة من القرآن منها قول الله تعالى : “قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق” ” قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلكم ” و السير و النظر لمعرفة كيف بدأ الخلق أو معرفة العبر والقوانين و  السنن فيه دعوة لممارسة العلم من أجل حسن التدبير و التسيير حتى نكون في مستوى الأمانة الإلهية التي كرم بها الإنسان،  و اكتمال الكرم الإلهي لا يتجلى بأبعاده الملموسة عيانا بين الأمم إلا بفضل القراءة ومنه قول الله تعالى : ” اقرأ وربك الأكرم ”  و منه نقرأ من أجل التكريم ثالثا، ثم يأتي بعد هذا الزيادة و اكتشاف علوم و معلومات جديدة و منه تكون القراءة و العلم الضامن الحقيقي للتطور و التقدم لا غير ، و هذا لا يتنافى مع متعة القراءة و لذتها التي قد تتحقق في كل قراءة ، لكن إن تحققت في ما يفيد كان أفضل، لذا فجواب ماذا أقرأ ؟ لن يكون جوابا يروم خلق وصاية و توجيه مجموع الذوات إلى نوع من القراءة ، و إنما يكفي أن يكون لنا هذا الوعي حتى نتحرر من كل وصاية ، ذلك أننا بهذا الوعي يمكن أن ننتقد ما نقرأه بعرضنا لغايات القراءة فإذا توافق مع هذه الغايات كانت مطلوبة و إلا فهي مما أمكنني معرفته و تجاوزه ، إذ لا يمكن أن ننتقد ما لا نعرفه.

و في سياق الحديث عن القراءة لا يمكن أن نمر من غير أن نبين ما لها من صلة بالعلم ، بل إنها العلم عينه ، كما هي في ثقافتنا الإسلامية ، و إلا كان الحديث من منطلق فكري مختلف لم نزل و لم يزل العالم  يعاني ويلاته و لا زلنا نسدد للأسف باهظ الأثمان الأخلاقية و القيمية التي حادت بالعلم إلى أن يتسيد على الإنسان، فما هذا الذي نسميه علما؟
الاستاذ: عبد الرحيم قبلي

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق