اخبار عاجلةالوطنيةثقافة و فنون

التعليم في المغرب بعد كورونا تداعيات وتحولات

يُعد التعليم أساس بناء المجتمعات وتطورها، وهو الدعامة الأساسية لكل نهضة اقتصادية واجتماعية وثقافية، ونظرا لأهميته القصوى حاولت بعض الدول العربية بعد حصولها على الاستقلال المراهنة على هذا القطاع الاستراتيجي، فقامت بإصلاحات هيكلية في نظم التعليم والتربية واستثمرت كثيرا وأرست البرامج والمناهج، إلا أن البعض الآخر ركز انتباهه على قضايا أخرى وتعامل بشكل مختلف مع ملف التربية والتعليم، وكان الحصاد هو بقاء نسب الأمية مرتفعة وتدني مستوى الثقافة والوعي.
ففي المغرب توالت مخططات الإصلاح وتعاقبت إلى يومنا هذا دون أن تصيب في الكشف عن الداء ولا في وصف الدواء، على الرغم من الاستثمارات في القطاع الحيوي فلا يزال المغرب يتبوأ مرتبة متأخرة على الصعيد العالمي، وأيضا على صعيد دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وتبرز الدراسات بما فيها التقارير الدولية والوطنية الرسمية بأزمة قطاع التربية والتعليم، الذي يعتبر أصل الأعطاب التي يعانيها بلد لم يحسن استغلال عدد من فرص التحول للالتحاق بمصاف الدول الصاعدة.
وهكذا يعيش مغرب اليوم على وقع خطاب الأزمة التي ترخي بظلالها على منظومة التربية والتكوين، في ظل تعارض المصالح مما يجعل هذا القطاع في مفترق الطرق، ويطرح أمامه بإلحاح تساؤلات حول أسباب تفاقم الأزمة التعليمية، ومظاهرها، والمسؤولين عنها، والحلول المقترحة للارتقاء بمستوى التعليم ببلادنا.
وحينما تتعارض المصالح، يقف كل شيء عن المسير والتطور، لأن كل طرف يرى نفسه ومقترحاته لإصلاح التعليم، وباقي القطاعات الحيوية الأخرى، هي الوحيدة الكفيلة بإنقاذ التعليم والمجتمع والدولة. فكيف يمكن الإصلاح وكل فريق يدافع ويتشبث بمصالحه وبرؤيته للإصلاح من زاوية واحدة؟
أليس هذا، هو نفسه ما يقع اليوم! في المغرب المعاصر، حيث هناك الكتاب الأبيض، وهناك الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وهناك المخطط الاستعجالي، وأخيرا القانون الإطار رقم 17-51 المتعلق بمنظومة التربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي، والمندرج في إطار ترجمة “الرؤية الاستراتيجية لإصلاح منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي 2015-2030″، التي أعدها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي.
ينص دستور المغرب لسنة 2011 في الفصل 31 منه على أن “تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية على تعبئة كل الوسائل المتاحة لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين على قدم المساواة من الحق في الحصول على تعليم عصري ميسر الولوج وذي جودة، والتكوين المهني، والاستفادة من التربية البدنية والفنية”.
وينص القانون الإطار رقم 17-51 المتعلق بمنظومة التربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي على أنه “يتعين على الحكومة أن تتخذ جميع التدابير اللازمة والمناسبة لتمكين مؤسسات التربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي في القطاعين والخاص من تطوير موارد ووسائط التدريس والتعلم والبحث”.
وجاءت أزمة كورونا وهي أزمة عالمية أجبرت المغرب كباقي معظم دول العالم على انتقال مفاجئ نحو التعليم عن بعد، كأحد الحلول التي لجأت إليها الوزارة لمواجهة انتشار الجائحة، وعدم تعطيل العملية التعليمية بشكل كامل في الوقت نفسه، إلا أن هناك العديد من الصعوبات والاختلالات التي واجهت هذه العملية بسبب عدم جاهزية المؤسسات التربوية، وبفعل تعدد الوسائط المعتمدة، وانتشار الأمية الإلكترونية، وصعوبة ضمان مبدأ تكافؤ الفرص في تقنية التعليم عن بعد، المبدأ الذي يعد أساسيا في مجال التعليم. وهنا يطرح السؤال هل ستشكل أزمة كورونا حافزا أساسيا للتفكير والعمل في تعميم بدائل التعليم الرقمي ومنصات التكوين والتعليم عن بعد؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال من الأهمية بمكان التأكيد على أن فيروس كورونا “كوفيد19” كرس أهمية المنظومة القيمية داخل المجتمع، وبعث روح التآزر والتلاحم من جديد في الجِسم المغربي، فقد أظهر المغاربة قابلية لمد يد المساعدة لبعضهم البعض، متضامين في مواجهة “العدو الخفي” الذي غير وجه العالم.
وبالنسبة للتعليم عن بعد يمكن القول من جهة إن المغرب استطاع إلى حد ما إنقاذ الموسم الدراسي بفضل تقنية التعليم عن بعد. ومن جهة أخرى فالتعليم عن بعد أتاح فرصة لدخول نظام التعليم المغربي إلى عالم التكنولوجيا لمواكبة حتمية التغيير والتطور، خصوصا وأن آلية التكنولوجيا أو الوسيط التكنولوجي بجميع أشكاله أصبح يفرض نفسه بقوة كمرجع لجميع العلوم والمعارف.
وعلى الرغم من الانتقادات الشديدة التي وجهت إلى التعليم عن بعد بالمغرب، بسبب تدني خدمات البنية التحتية وتدني مستوى الدخل الفردي وتكلفة شراء الأجهزة الإلكترونية، والتي كانت مكلفة بالنسبة للعديد من العائلات المتوسطة، إلا أن هذه التجربة يمكنها أن تؤسس لبناء تصور مستقبلي لاعتماد تقنية التعليم عن بعد في المنظومة التعليمية لكن داخل مناخ أكثر ملاءمة مع توفير الشروط العملية والعلمية. لعل من أهمها: توجيه الانفاق في البنيات التحتية وفي البحث والابتكار التكنولوجي، وفي تكوين وتطوير الموارد البشرية.
وختاما التعليم عن بعد ليس تحولا اختياريا، أو تفاخرا تقنيا. إنه تطور يمكن اعتماده بشروط محددة وفي حدود معينة. فالمعركة القادمة هي نكون أو لا نكونـ. ولنا في تجارب كوريا وسنغافورة والصين أسوة حسنة. المطلوب إرادة سياسية للتحول الرقمي في المستقبل القريب.

أبوالمجد عبدالجليل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق