إسلاميات

الإيثار على النفس، وجزاؤه يوم تحاسب كل نفس

إن خلق الإيثار له أهمية قصوى في انتعاش اقتصاد كل بلد . ويعتبر دواء شافيا لمرض الأنانية المتسلطة وحب الذات . كما يجعل الإنسان عضوا فعالا في بناء الأمة ، يسعد بها وتسعد به ، ويحافظ عليها وتحافظ عليه .
فالإيثار من فعل : آثر إيثارا . وآثره : أكرمه واختاره وفضله. ومعناه : أن يفضل الإنسان غيره بالمال ، وبكل شيء على نفسه وإن كان هو في غاية الحاجة والفاقة إليه . ويتجلى في بذل المسلم ماله بسخاء ، مع حبه الخير للجميع ، وإيثارهم على نفسه .
• التأصيل الشرعي لخلق الإيثار :
❖ قال الله عز وجل : ( ويوثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون …).(1)
❖ وقال تعالى : ( وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا ….) (2).
❖ وقال جل شأنه : ( وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور ….) (3).
فإيثار المؤمنين، ليس غنى عن المال ، ولكنه عن حاجة وفقر ، وتلك غاية الإيثار . ومن حماه الله وسلم من البخل ، أفلح ونجح . والشح، هو : البخل الشديد ، مع الجشع والطمع . قال ابن عمر : ( ليس الشح أن يمنع الرجل ماله ، إنما الشح أن تطمع عينه فيما ليس له ) .(4)
فأي شيء يفعله الإنسان من وجوه البر والخير، يلقى أجره وثوابه يوم القيامة ، خيرا له مما قدم في الدنيا من صالح الأعمال. ومن ثم ، يكون رابحا في تجارته مع الله تعالى . فلا يمكن أن يصاب بالكساد والخسران أبدا.
فبالإيثار تزيد الألفة بين القلوب ، وتزال الضغائن والأحقاد ، ويصلح المجتمع ، ويستقيم أمر الناس، وتسود المحبة بين الجميع . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لايومن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) .(5).
وقال عليه الصلاة والسلام : ( إياكم والظلم ، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم ، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم ). (6). وعن أبي سعيد رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ( خصلتان لا تجتمعان(7) في مؤمن: البخل وسوء الخلق ). (8) .
ويعاتب الله عز وجل يوم القيامة الذين منعوا أموالهم عن السائلين ، كما ورد في الحديث القدسي : ( با بن آدم ، استطعمتك فلم تطعمني …قال : يارب ، وكيف أطعمك وأنت رب العالمين ! ….قال : استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه. أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ؟ ….يابن آدم ، استسقيتك فلم تسقني …قال : يارب ، وكيف أسقيك وأنت رب العالمين ؟ ! …قال : استسقاك عبدي فلان فلم تسقه . أما علمت أنك لو أسقيته لوجدت ذلك عندي ؟ ! )9 .
وقد استوقفني كلام نفيس للأستاذ : عفيف عبد الفتاح طبارة ، يقول فيه : ( فالبخل يصيب المجتمع بأشد الكوارث والأضرار، فهو يزرع الأحقاد في قلوب المحرومين ، نحو الأغنياء البخلاء ، مما يجعلهم يتحينون الفرص للتألب عليهم وتدمير ممتلكاتهم . وما حصل عبر التاريخ من ثورات دامية مدمرة ، كان مصدرها بخل الأغنياء ، الذين استأثروا بخيرات المجتمع ، وراحوا يصرفون أموالهم على ملذاتهم وشهواتهم . بينما أبناء وطنهم ، يقاسون الحرمان ويشتهون لقمة العيش …
فالإسلام يعتبر المال الذي في حوزة الإنسان ، هو مال الله ، أعطاه للإنسان كوديعة ، لينفق منه على نفسه، وعلى المستحقين من عباد الله . فالبخل به على المحرومين ، هو احتكار للوديعة ، ومنع للمال من أن يؤدي دوره الخير في المجتمع ، مما يؤدي إلى انعكاسات سيئة على أصحاب الثروات) (10).
فقوة إيمان المسلم ، تجعله يؤثر غيره على نفسه ، فيكون سخيا بماله ، وبصحته ، وبقوته ، وبكل شيئ مقابل الفوز بالجنة . فالمؤمن الحقيقي ، والأخ الوفي ، والصديق الصادق ، والجار المخلص ، يظهرون في وقت الشدة والضيق. أما وقت الرخاء ، فليس معيارا لاختبار صدق هؤلاء ومحبتهم ، وإيمانهم ورجولتهم ، بل وإنسانيتهم كذلك.
فالكرم ، والسخاء ، والجود ، صفات كريمة ، وأخلاق عظيمة ، تخلق بها الرسل والأنبياء والصالحون. أما الشح والبخل ، والأنانية ، والإفراط في حب الذات ، وإقصاء الغير ، صفات ذميمة ، وأخلاق سيئة . فلا يجب على المسلم ، أن يتحلى بها ، لأنها تقدح في مروءته وسمعته وشرفه ، كما تدل على قساوة قلبه ، وفقدانه من الرحمة ، واستعظامه لنفسه ، واحتقاره للغير وازدرائه منهم . وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( الكريم قريب من الله ، قريب من الناس ، قريب من الجنة ، بعيد عن النار ، ….والبخيل بعيد عن الله ، بعيد عن الناس ، بعيد عن الجنة ، قريب من النار )(11).
• فضائله .
يعود الإيثار المسلم على حب الخير للجميع ، ويجعله مشبعا بالأخلاق الإسلامية الراقية . وبذلك يواصل أداء رسالته الخلقية المثالية في الحياة . ومن الصور التي تشكل نموذجا حيا لخلق المسلم في الإيثار وحب الخير ، – أذكر على سبيل المثال لا الحصر- :
1) الإمام علي كرم الله وجهه ، الذي آثر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحياة، فقدم أعلى مثل في الإيثار والتضحية والفداء . فلما قررت قريش أن تغتاله صلى الله عليه وسلم ، بحث على من ينام في فراشه ، ليموه على المتربصين به . فكان علي بن أبي طالب ، هو الذي آثره صلى الله عليه وسلم .
2) أبو طلحة الذي آثر ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسه وعياله. فلما أحضرت زوجته الطعام ، قامت إلى السراج كأنها تريد إصلاحه ، فأطفأته ونومت أطفالها ، وهم يشتكون من شدة الجوع . فأخذ الضيف يأكل في الظلام وحده حتى شبع ، و باتت الأسرة كلها جائعة . فتعجب الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك ، وتبسم . فنزل قوله تعالى : ( ويوثرون على أنفسهم ولو كـــــــــــان بهم خصاصة …) . وقد سبقت الإشارة إلى هذه الآية .
3) أبوبكر الصديق رضي الله عنه ، الذي تصدق بجميع ماله . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما أبقيت لأهلك ؟ ) فقال رضي الله عنه : أبقيت لهم الله ورسوله .
4) عكرمة وأصحابه الذين عرض عليهم الماء يوم اليرموك . فكان كل واحد منهم يأمر بدفعه إلى صاحبه وهو جريح مثقل ، أحوج ما يكون إلى الماء . فرده الآخر إلى الثالث ، فما وصل إلى الثالث حتى ماتوا عن آخرهم . ولم يشربه أحد منهم رضي الله عنهم وأرضاهم .
5) جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوما إلى النبي صلى الله عليه وسلم شاكيا علي بن أبي طالب – كرم الله وجهه – ، يقول : يارسول الله ، يجعلني دائما أبدأ بالسلام ، ولا يبدأ هو بالسلام.

فاستدعى النبي (عليه الصلاة والسلام ) عليا – كرم الله وجهه – ، وقال له : يا علي : لماذا تجعل عمر يبدأك بالسلام دائما ؟ فيجيب علي :(لأني سمعتك يارسول الله ، تقول : من بدأ أخاه بالسلام ، بنى الله له قصرا في الجنة ، فأردت أن يبدأني عمر ، فيأخذ ذلك القصر في الجنة ) .

د.إبراهيم المعتصم السكراتي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق