اخبار عاجلةالسياسية

الأحزاب والنقابات المغربية بين الموت البطيء وأمل العودة

أبوالمجد عبدالجليل
تعد الأحزاب والنقابات من أهم التنظيمات الحديثة التي انتجتها العبقرية البشرية. وهي شكل حضاري للتداول على السلطة والمشاركة في اتخاذ القرارات ومعالجة أمور الشغل.
ومن المعروف بداهة أن النقابات العمالية والأحزاب السياسية تمثل في دول العالم كافة عمودا فقریا للدولة الحديثة. فما هو الحزب وما هي النقابة؟ وما هو الفرق بين الأحزاب والنقابات؟ و ما الجدوى من الأحزاب والنقابات؟ وماهي الأسباب التي أدت إلى ضعف الأحزاب والنقابات؟ وماهي أهم أسباب تعثرها في مواكبة مختلف التحولات السياسية التي شهدها المغرب منذ الاستقلال؟
قبل الإجابة على بعض هذه الأسئلة، يتعين الإشارة إلى أن الاحزاب والنقابات، في أي بلد من بلدان العالم ماهي في حقيقة الأمر إلا مرآة للمجتمعات تعكس مدى نموها الاقتصادي والاجتماعي. كما أنها تعبير عن واقع سياسي/اجتماعي معين يفترض نوعا من التفاوت في الوعي والقدرة والقوة، وحرية التحرك من بلد لآخر، ذلك أن الأحزاب والنقابات تعيش ككائن حي، ينتعش ويتقوى في ظل الحرية والعدالة، ويضعف ويتلاشى نتيجة لما يعتريها من أمراض خارجية وداخلية. كما أن قضايا وانشغالات الأحزاب والنقابات تختلف من بلد لآخر، بل إن الوضع يختلف في البلد الواحد من مرحلة تاريخية لأخرى، إذ لكل مرحلة انشغالاتها، وقضاياها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
من الصعب التوصل إلى تعريف “جامع مانع” للحزب، كما يقول المناطقة، لأنه من الصعب الحديث عن نظرية عامة خاصة بالحزب السياسي.
و رغم تتعدد التعريفات المختلفة للأحزاب السياسية، وذلك كأي مفهوم من مفاهيم العلوم الاجتماعية، إلا أنه ومن خلال النظر لمعظم التعريفات يمكن القول إن الحزب السياسي هو تجمعات سياسية لمواطنين يجمعهم فكر سياسي و منظور سياسي واحد ومن أهدافها الرئيسية التعبئة والتنشئة السياسية والتداول السلمي للسلطة وتدبير الشأن العام.
وهذا ما سار عليه الفقيه موريس دو فرجيه Maurice Duverger في كتابه القيم (الأحزاب السياسية) حيث عرف “الحزب عبارة عن تجمع مواطنين متحدين حول نفس النظام والانضباط”.
وهكذا فالأحزاب السياسية هي وسيلة أبدعها العقل البشري في الحضارة الغربية، استجابة لتحديات واقعه التاريخي، وانطلاقا من رؤيته للعالم، وفلسفته، ومسلماته، وجوهر فكرة الحزب أنه وسيلة لحماية الأفراد من تغول الحكومات عليهم، فلكي لا يقف الفرد أمام جبروت الحاكم منفردا، فتضيع حقوقه، بل قد تدوسه آلة البيروقراطية دون أن تدري؛ لأنها لن تراه، توصل الإنسان إلى فكرة ومؤسسة الحزب لتجمع الأفراد المتفقين على فكرة معينة أو برنامج معين، أو أيديولوجيا معينة، وتساعدهم على التعبير عن مصالحهم وحمايتها بصورة جماعية.
ففي الحزب السياسي يجتمع المواطنون بناء على الاختيار الحر القائم على الاشتراك فيما بينهم في مجموعة أهداف عامة, من أجل التعبير عن مطالبهم ومحاولة تحقيقها عبر الوصول إلى السلطة.
أما النقابات فهي منظمات مهنية تجمع العمال باختلاف انتماءاتهم وأجناسهم وعقائدهم دون تمييز، وهدفها الدفاع عن مصالح العمال وتحقيق مطالبهم وحماية مكتسباتهم والتعبير عن إرادتهم و وتثقيفهم . والنقابات جميعها لا تسعى ولا تعمل للوصول للسلطة ، بل إلى تحسين شروط وظروف الشغل وبشكل دائم.
وعلى المستوى الوطني، ظهرت الأحزاب السياسية والنقابات قبل الاستقلال في شكل تنظيمات تهدف إلى استيعاب المغاربة وتوجهيهم نحو العمل السياسي والاجتماعي.
وعلى الرغم من وجود أحزاب ونقابات منذ عقود طويلة إلا أنه لم ينعكس أدائها على الإنسان المغربي، كما أن التعددية الحزبية لم تنجح في رفع من شأن الوطن والمواطن، بل تحولت إلى عبء على الشعب وعلى النظام.
غير أن تحميل النظام وحده مسؤولية الضعف التي وصلت إليها الأحزاب كلام غير منصف، إذ لا يحتاج الأمر الى كثير من التفكير عن أسباب تآكل الأحزاب والنقابات.
ومهما تكن أسباب هذا الموت للأحزاب القديمة والجديدة هل ذاتية أو موضوعية، هل هي بسبب استراتيجية النظام باعتماد بمنطق “فرق تسد”، أو بسبب الصراع بين النخب الحزبية على المنافع المادية والمعنوية، أو بسبب الكهولة والجمود الفكري والثقافي فإن هذا “الموت البطيء” حقيقة واضحة للعيان من الصعب على الباحث والملاحظ أن يدحضها.
وقد تنبأ مبكرا بهذا الموت البطيء البروفيسور الراحل كلود بالازولي Claude Palazzoli سنة 1972 في كتابه القيم بعنوان “الموت البطيء للحركة الوطنية المغربية”، انطلاقا من ظاهرة الانقسامات والعلل التي عرفتها الأحزاب المحسوبة على الحركة الوطنية في المغرب منذ بداية الاستقلال إلى الحالة المزرية اليوم. فالأحزاب تعيش حاليا أسوأ أيامها وتنفق في الفراغ ما تبقى من رصيدها الذي راكمته منذ عقود، صحيح أن هناك عوامل موضوعية وتاريخية تقف جزئيا وراء حالة الموت البطيء التي يعيشها الفاعل الحزبي، لكن لا أحد يمكن أن يتجاهل قوة العامل الذاتي في ما تواجهه الأحزاب والنقابات من أزمة حقيقية على مستوى الهوية والالتزام بالبرامج وبالقيم وبالمبادئ. فاليسار تحول لليمين، واليمين لليسار، ولم يعد ممكنا التمييز في مغرب اليوم بين المحافظ والليبرالي والاشتراكي والشيوعي. وأصبحت حالة التشظي والضياع والانقسام سيدة الموقف.
إضافة إلى أن العلاقة بين الأحزاب والنقابات كانت ولم تزل، ملتبسة وتخضع أحيانا لتوترات حادة، ساهمت هي الاخرى في تشرذم النقابات وشلالها. وبالتالي أصبحت الأحزاب والنقابات معا خارج معادلات الصراع، الشيء الذي أدخل النظام السياسي برمته حلبة الصراع في مواجهة مباشرة مع حشود المطالب الاجتماعية، وضع أفرز فعاليات وأشكال تكتل جديدة، في غياب هيئات وساطة. برز ذلك من خلال تشكيل تكتلات تسمى: “لجان”، “مجموعات”، “تنسيقيات”.
وبالرغم من كل المؤشرات والتفسيرات السابقة للموت البطيء لا يمكن الزعم بنهاية الأحزاب والنقابات، فالأفكار لا تموت، ولكنها تحتاج دائما للتنظيم والتطوير وبعد النظر. وقد سبق للمفكر الاجتماعي الألماني ماكس فيبر أن حدد في كتابه الشهير “رجل العلم ورجل السياسة” توجيهات قيمة للإنسان السياسي في ثلاث صفات محددة لكي يصل بالمجال السياسي العام إلى بر الأمان: الشغف la passion، والشعور بالمسؤولية le sens de la responsabilité ، وبعد النظر le coup d’œil. وبعبارة أخرى الانكباب على الأمور والمشاكل ومعالجتها بشغف ودراية ومسؤولية وبعد النظر.
وفي انتظار ذلك، على الدولة المغربية إذا أرادت بناء نظام سياسي قادر على تحقيق طموحات الشعب عليها أن تركز على تقوية النقابات والجمعيات، وتترك الأحزاب حتى تنضج وتكون قادرة على أن تقوم بدورها الحقيقي كمؤسسة للتنشئة السياسية، وتأهيل كوادرها، وإعداد قياداتها، وتقديم البدائل السياسية الناضجة. كان المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون Louis Massignon يردد بأن عنصرين هما علامتان للنهضة في عالم المسلمين: الحركة النقابية والحركة النسائية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق